المرأة الوحيدة التي ادّعت النبوة
المرأة الوحيدة التي ادّعت االنبوة

شهدت شبه الجزيرة العربية في عصر النبوة وما بعده بقليل ظاهرة فريدة من نوعها، تمثلت في ظهور أناس ادعوا النبوة، متنافسين مع الرسالة المحمدية الخاتمة. كان أبرز هؤلاء المدّعين: الأسود العنسي في اليمن، ومسيلمة الكذاب في اليمامة، وطلحة بن خويلد الأسدي. لكن اللافت في الأمر هو وجود امرأة واحدة فقط في هذا السياق التاريخي، انضمت إلى قائمة المدّعين، إنها سجاح بنت الحارث التميمية.
في هذا المقال، نستعرض تفاصيل قصة هذه المرأة، خلفياتها، وكيف انتهى أمرها، مع الإشارة إلى حالة أخرى قد تختلط في الأذهان، لرسم صورة متكاملة عن هذه القضية.
سجاح بنت الحارث: المرأة الوحيدة في قائمة المدّعين
تعد سجاح بنت الحارث بن سويد التميمية الشخصية النسائية الوحيدة التي رفع راية التحدي وادّعت النبوة في فترة صدر الإسلام .
خلفياتها الدينية والقبلية:
كانت سجاح، وفقًا للمصادر التاريخية، نصرانية تنتمي إلى قبيلة بني تغلب، وكانت تتمتع بمكانة سامية بين قومها. قبل ادعائها النبوة، اشتهرت بأنها كانت عرّافة وكاهنة، وهو ما مهد لها الطريق لتوظيف خبرتها في التأثير على الناس .
توقيت الادعاء:
لم تظهر سجاح في الساحة السياسية والدينية إلا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تحديدًا، وليس في حياته. بعد وفاته، ارتدت العديد من القبائل العربية عن الإسلام، وظهر ما عُرف بـ "حروب الردة". كان من الطبيعي في تلك الفوضى أن يستغل أصحاب النفوذ والجاه الفرصة.
عندما علمت سجاح أن كلاً من مسيلمة الكذاب وطلحة الأسدي قد أعلنا نبوتهم، رأت أن تعلن هي الأخرى نبوتها، وجمعت حولها جيشًا قوامه أربعة آلاف مقاتل من قبيلتي تميم وتغلب، وسارت بهم متجهة نحو المدينة المنورة .
مقدمات التحالف:
لم تكن سجاح مجرد مدّعية عابرة؛ بل كانت قائدة محنكة. عندما علمت أن خالد بن الوليد (سيف الله المسلول) قد هزم جيش طلحة الأسدي، أدركت أنها لن تستطيع مواجهة جيوش المدينة وحدها. هنا برزت هروبها الاستراتيجي، فغيرت مسيرها عن المدينة واتجهت نحو اليمامة لمقابلة مسيلمة الكذاب .
نهاية القصة (الزواج والتلاشي):
اللقاء الذي جمع بين سجاح ومسيلمة لم يكن لقاء تحالف عسكري فقط، بل انتهى بالزواج. تزوجت سجاح من مسيلمة، ورضيت بأن يكون نائبًا لها، أو كما قيل: تقاسم الزوجان النبوة، حيث أقرت سجاح بنبوة مسيليمه مقابل أن يقر هو بنبوتها، أو تزوجها على أن يصليّ لها هو ولقومها .
هذا التحالف أنهى فعليًا مسيرتها كمنافسة للدولة الإسلامية، إذ اندمجت قواتها مع قوات مسيلمة، وبذلك خرجت من دائرة المنافسة المباشرة للمسلمين. بعد مقتل مسيلمة على يد المسلمين في معركة اليمامة، أسلمت سجاح وعادت إلى رشدها، وعاشت حتى عهد معاوية بن أبي سفيان .
توضيح هام: طلحة الأسدية ليست مدعية نبوة
قد يقع بعض القراء في لبس عند قراءة اسم "طلحة" في بعض كتب السيرة والحديث. حيث ورد في المصادر أن هناك امرأة اسمها طلحة الأسدية، وقد تزوجت في فترة عدتها (العدة هي فترة انتظار للمطلقة أو الأرملة قبل أن يحل لها الزواج مجددًا).
ورد في حديث مالك عن ابن شهاب أن "طُلَيْحَةَ الأَسَدِيَّةَ كَانَتْ تَحْتَ رُشَيْدٍ الثَّقَفِيِّ فَطَلَّقَهَا فَنَكَحَتْ فِي عِدَّتِهَا" .
القصة هنا هي: امرأة تزوجت قبل أن تنتهي عدة طلاقها، والخليفة عمر بن الخطاب قام بضربها وضرب زوجها الجديد لتعديهما حدود الله، وفرّق بينهما. هذه القصة تتعلق بالوعيد الشديد على تزويج المرأة في عدتها، ولا علاقة لها إطلاقًا بدعوى النبوة .
خاتمة
تظل قصة "سجاح" حالة استثنائية في التاريخ الإسلامي، كونها المرأة الوحيدة التي نازعت في أمر النبوة. إلا أن نهايتها كانت دليلاً على أن باب النبوة قد أغلق بموت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأن كل من ادعاها بعده فهو كذاب مفترٍ، سواء كان رجلاً أو امرأة. حالة "سجاح" أظهرت حقيقة أن الإيمان بالقوة والبلاغة دون ثبات على الدين، ينهار بمجرد أول اختبار حقيقي مع جيوش الحق.