العدَّاء الذي قهر كتيبة

العدّاء الذي قهر كتيبة
في فجر يوم هادئ من أيام المدينة المنورة، خرج الصحابي الشاب "سلمة بن الأكوع" متوجهاً نحو الغابة متوشحاً قوسه ونباله. كان الجو ساكناً لا ينذر بأي خطر، ولم يكن سلمة يعلم أن هذا الصباح سيخلد اسمه في صفحات التاريخ كواحد من أشجع وأسرع رجال الإسلام، وأكثرهم إقداماً وبسالة.
فجأة، وبينما هو في طريقه، لمح غباراً كثيفاً وحركة مريبة تقطع سكون الصحراء. لقد أغارت عصابة مسلحة من المشركين بقيادة "عيينة بن حصن" على قطيع إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. لم يكتفِ هؤلاء المغيرون بسرقة الإبل، بل قاموا بقتل راعيها بوحشية، واستاقوا القطيع أمامهم هاربين نحو مضاربهم.
كان سلمة وحده، راجلاً بلا حصان، وفي مواجهة عشرات الفرسان المدججين بالسلاح والسيوف والرماح. في تلك اللحظة الحاسمة، لم يتردد، ولم ينتظر عودته للمدينة لجلب جيش للرد عليهم. صعد بسرعة خارقة على تلة مرتفعة تُشرف على المدينة، واستقبل وجهتها، ثم أطلق صيحته التحذيرية الشهيرة بثلاثة نداءات شقت عنان السماء: "وا صباحاه! وا صباحاه! وا صباحاه!".
وبدون أن يضيع ثانية واحدة، انطلق سلمة خلفهم كالريح العاصفة. كان سلمة معروفاً بأنه أسرع من الخيل في العدو المفتوح. لحق بالفرسان وبدأ في تنفيذ تكتيك قتالي مذهل بمفرده؛ كان يختبئ خلف الأشجار والصخور الكبيرة، ثم يخرج فجأة ليمطرهم بوابل من السهام الدقيقة. وكلما رمى سهماً كان يرتجز بصوت شجاع يرعب القلوب قائلاً:
"أنا ابنُ الأكوع.. واليومُ يومُ الرُّضَّعِ!" يقصد بذلك أن اليوم سيُعرف فيه من هو اللئيم الذي سيرضع ثدي الهلاك والذل.
كلما التفت الفرسان نحوه ليقتلوه أو يطاردوه بالخيل، راوغهم ببراعة وسرعة مذهلة، متوارياً خلف الأشجار، ثم يعاود الهجوم من زاوية أخرى غير متوقعة. أُصيب القوم بالذعر والارتباك، فقد خُيل إليهم من كثافة السهام وسرعة تنقله أن جيشاً كاملاً يلاحقهم وليس رجلاً واحداً. تحت وطأة هذا الهجوم الشرس والسهام التي لا تخطئ هدفها، اضطر اللصوص لترك بعض الإبل لتخفيف العبء والهرب.
لكن سلمة لم يكتفِ بذلك ولم يتوقف ليلتقط الأنفاس. استمر في مطاردتهم بلا هوادة في الوديان والشعاب، يرميهم بالسهم تلو الآخر، حتى أجبرهم على ترك قطيع الإبل بالكامل خلفهم. ولم يتوقف عند هذا الحد، بل واصل الضغط عليهم بشراسة حتى بدأوا يلقون أمتعتهم الشخصية ورماحهم وأرديتهم ليتمكنوا من تخفيف أوزانهم والنجاة بأرواحهم. وكان سلمة يجمع بعض الحجارة ويضعها كعلامات بارزة على الأماكن التي سقطت فيها هذه الغنائم ليدل جيش المسلمين عليها لاحقاً.
بقي سلمة صامداً كالطود الشامخ وحده في قلب الصحراء، يحرس الإبل والغنائم التي استردها، حتى تصاعد غبار كثيف في الأفق. لقد وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كوكبة من فرسان المسلمين لنجدته بعد أن سمعوا نداءه. حينها، نظر النبي الكريم إلى هذا البطل الفذ الذي هزم كتيبة مسلحة وأجبرهم على الفرار بمفرده، فتبسم وقال كلمته العظيمة التي توجت هذا الجهد الأسطوري وساماً على صدره: "خيرُ فُرساننا اليوم أبو قتادة، وخيرُ رَجَّالتنا سلمة". وأعطاه النبي سهمين من الغنيمة؛ سهم الفارس وسهم الراجل. لقد أثبت سلمة بن الأكوع في ذلك اليوم المشهود أن اليقين بالله، الممزوج بالشجاعة الفائقة، يصنع بطولات حقيقية تتجاوز في روعتها حدود الخيال.