الصدق منجاة: قصة النجاشي والصحابة
الصدق منجاة: قصة النجاشي والصحابة
عندما اشتد أذى قريش على المسلمين في مكة المكرمة، وأذن النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة، قال لهم: "إن بها ملكًا لا يظلم عنده أحدٌ، فالحقوا ببلاد الحبشة حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه". هاجر أول مجموعة من الصحابة سرًا خوفًا من بطش قريش، وكان عددهم أحد عشر رجلًا وأربع نسوة، ثم تبعهم آخرون حتى بلغ عدد المهاجرين إلى الحبشة ثلاثًا وثمانين رجلًا وثماني عشرة امرأة.
لم تهدأ قر
يش عند علمها بهجرة المسلمين إلى أرض النجاشي، فأرسلت عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص (قبل إسلامهما) بهدایا ثمينة للنجاشي وبطارقته، ليطلبوا منه تسليم المسلمين. وقد خطط عمرو بن العاص لمكرٍ خبيث، حيث قال: "إذا دخلت على النجاشي، سأعطيه هدیته، وأطلب منه أن يسلمهم، لكني سأخبره أنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا".
عندما دخل الرسلان على النجاشي، سجدوا له كما كانت عادة الحبشة، ثم قال عمرو: "أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلادك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت. وقد أرسلنا إليك فيهم أشراف قومهم، لتردهم إليهم". فنظر النجاشي إلى بطارقته فقالوا: "صدقوا، فارددهم إليهم".
غضب النجاشي من ذلك، وقال: "لا والله، لا أسلمهم إليهما حتى أكلمهم. فإن كانوا كما قالا، سلمتهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم". ثم دعا النجاشي المسلمين، وكان على رأسهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.
دخل الصحابة على النجاشي، ولم يسجدوا له، فاستغرب ذلك وقال: "ما يمنعكم أن تسجدوا لي؟" فقال جعفر بكل شجاعة وصدق: "إنا لا نسجد إلا لله رب العالمين". فتعجب النجاشي وسألهم: "ما هذا الدين الذي أنتم عليه؟"
هنا ألقى جعفر خطبته الشهيرة، فقال: "أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونفعل الفواحش، ونقطع الأرحام، ويسيء الجار جاره، ونأكل الضعيف. فبعث الله إلينا رسولاً نعرف صدقه ووفاءه، يأمرنا بعبادة الله وحده، وينهانا عن عبادة الأصنام، ويأمرنا بالصدق، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء". ثم سأله النجاشي: "وماذا تقولون في عيسى بن مريم؟" فقرأ جعفر صدرًا من سورة مريم: "إن الله ربنا الذي خلقنا ولا نعبد غيره، وعيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم".
أخذ النجاشي عودًا من الأرض وقال: "ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا الغبار. والله إن هذا الذي قلتم فيه ليخرج من مشكاة النبوة". ثم التفت إلى عمرو والعاص وقال: "اذهبا فوالله لا أسلمهم إليكما أبدًا".
لقد أنقذ صدق المسلمين وتمسكهم بالحق في تلك اللحظة الحرجة. وهذه القصة تعلمنا أن الصدق والأمانة هما الطريق إلى النجاة في الدنيا والآخرة، وأن التمسك بالمبادئ مهما اشتدت المحن هو ما يميز المؤمن الصادق. كما تؤكد القصة أن العدل والإنصاف صفتان موجودتان فيمن يبحث عن الحق بقلب نقي، كما فعل النجاشي الذي أنصف المستضعفين رغم ضغوط المشركين.