قصة الصحابي الجليل مصعب بن عمير: سفير الإسلام الأول

قصة الصحابي الجليل مصعب بن عمير: سفير الإسلام الأول

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about قصة الصحابي الجليل مصعب بن عمير: سفير الإسلام الأول

 

 

مصعب بن عمير: قصة أول سفير في الإسلام من ترف مكة إلى خلود الشهادة

شهد تاريخ الإسلام الأوائل نماذج بشرية فريدة صاغها الإيمان بصورة أعجزت المؤرخين والباحثين عن تفسير هذا التحول النفسي والروحي الهائل. ومن أبرز هذه النماذج الخالدة، يبرز اسم الصحابي الجليل مصعب بن عمير رضي الله عنه، الفتى القرشي الذي اختزل في سيرته معاني التضحية المطلقة، والانتقال من قمة الترف المادي إلى أسمى مراتب الزهد والجهاد، ليصبح بفضل حكمته وإخلاصه أول سفير في تاريخ الإسلام، وممهد الطريق لبناء الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.

نشأة ممتلئة بالترف والنعيم في مكة

ولد مصعب بن عمير في واحدة من أغنى العائلات في مكة المكرمة، ونشأ في أحضان أم ثرية شديدة التدليل له هي "خناس بنت مالك". كانت والدته تحيطه بكل ألوان الرعاية والرفاهية التي يمكن أن يحلم بها شاب في بيئة مكة الجافة، فكان يرتدي أفضل الثياب الرقيقة المستوردة من اليمن، وينتعل أجود أنواع النعال، ولا يمر في طريق من طرقات مكة إلا ويعرف الناس أنه مر من هنا بسبب طيب رائحته وعطره الفريد الذي كان يجلب له خصيصًا من الشام واليمن.

وصفه النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه بأنه "أعطر أهل مكة" وأجمل شبابها مظهرًا. كان مصعب يعيش حياة خالية من الهموم والمشاكل، تفتح له أبواب المجالس القرشية، ويستمع إليه سادة قريش لذكائه ورجاحة عقله رغم صغر سنه، ولم يكن أحد يتوقع أن هذا الفتى المدلل سيكون يومًا ما أحد أعظم أركان الدعوة الإسلامية الناشئة، والذين سيتحملون في سبيلها أشد أنواع المعاناة والضنك.

نقطة التحول الكبرى وسرية الإيمان

بدأت نقطة التحول في حياة مصعب بن عمير عندما تناهت إلى مسامعه أخبار النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته الجديدة إلى التوحيد ونبذ عبادة الأصنام. كانت مكة تموج بالصراعات الفكرية والاجتماعية بسبب هذه الدعوة، وكان مصعب، بعقله الراجح وفطرته السليمة، يرى في آلهة قريش الحجرية عجزًا لا يليق بالعبادة. قاده فضوله وشغفه بالبحث عن الحقيقة إلى "دار الأرقم بن أبي الأرقم"، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه سرًا ليعلمهم القرآن الكريم.

دخل مصعب دار الأرقم وجلس يستمع إلى آيات الله تتلى من فم النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تمضِ دقائق حتى لامس الإيمان شغاف قلبه، وفاضت عيناه من الدمع، وأعلن إسلامه ونطق بالشهادتين بين يدي الرسول الكريم. ومنذ تلك اللحظة، ولد مصعب بن عمير ولادة جديدة؛ ولادة روحية تخلت فيها النفس عن بريق الدنيا الزائف لتتعلق بنعيم الآخرة الباقي. ولكنه آثر أن يكتم إسلامه عن أمه وقبيلته، معتمدًا على كتمان أصحابه، ليعبد الله سرًا ويتعلم أحكام الدين الجديد.

الابتلاء والمواجهة وحرمان النعيم

لم يستمر سر مصعب طويلًا في مجتمع صغير كمجتمع مكة يتتبع الأخبار بدقة؛ حيث رآه رجل من مشركي قريش يُدعى "عثمان بن طلحة" وهو يدخل دار الأرقم، ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم. أسرع عثمان بالخبر إلى أم مصعب وإلى أسرته، فكانت الصدمة عنيفة على والدته التي كانت ترى فيه امتدادًا لثروتها ومكانتها الاجتماعية بين قبائل قريش.

حاولت أمه وأعمامه باللين والوعيد والتهديد أن يثنوه عن دينه الجديد، لكنهم وجدوا أمامهم جبلًا شامخًا من الإيمان لا تزحزحه العواصف. وعندما يئست والدته من استجابته لها، لجأت إلى أسلوب العقاب القاسي؛ فحرمته من كل الثروة والنعيم، ومنعت عنه الطعام والشراب، وقامت بحبسه في حجرة مظلمة ببيتها وتعيين حراس عليه لمنعه من الخروج ومقاطعة المسلمين. تيبس جلد مصعب الرقيق الذي كان ينعم بالحرير، وبدت عليه علامات الجوع والتعب، لكن روحه ظلت محلقة في آفاق الإيمان والرضا بقضاء الله.

الهجرة إلى الحبشة والصبر على الغربة

حين اشتد الأذى والاضطهاد بالمسلمين في مكة، أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى أرض الحبشة فرارًا بدينهم، وأخبرهم أن بها ملكًا عادلًا لا يُظلم عنده أحد. علم مصعب بن عمير بالأمر، واستغل غفلة من حراسه في أحد الأيام، فاستطاع الفكاك من أسره وتسلل سرًا ليلحق بالركب المهاجر إلى الحبشة.

عاش مصعب في الحبشة غريبًا، مفارقًا لوطنه وأهله، ومتحملًا لحياة الفقر والخشونة بعد أن كان يتقلب في أعظم النعم. ورغم قسوة الظروف الغربة، إلا أن مصعبًا كان يشعر براحة اليقين وحرية العبادة. وبعد فترة، عاد مع مجموعة من المسلمين إلى مكة بعد إشاعات كاذبة عن إسلام قريش، ليجد الوضع كما هو، بل أشد قسوة، فرأت أمه حاله وقد شحب لونه وخشنت ثيابه، فحاولت حبسه ثانية، فهددها قائلًا: "إن حبستني لأقتلن كل من يعينك على حبسي"، فلما رأت جديته وإصراره، تركه وطردته من بيتها قائلة: "اذهب لشأنك، لم أعد لكِ أمًا"، فقال لها: "يا أمي إني لكِ ناصح وعليكِ شفيق، فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله"، فرفضت كبرياءً، وخرج مصعب كليًا من حياة الترف إلى حياة الزهد الخالص.

أول سفير في الإسلام ومهمة يثرب العظمى

بعد بيعة العقبة الأولى، حيث بايع اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب (المدينة المنورة) النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، طلبوا منه أن يرسل معهم رجلًا يقرئهم القرآن ويعلمهم شرائع الإسلام العظيم. وهنا تجلت حكمة النبي صلى الله عليه وسلم في اختيار الرجال؛ حيث وقع اختياره على مصعب بن عمير رضي الله عنه ليكون أول سفير للإسلام في التاريخ.

لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل جاء بناءً على مؤهلات فريدة تمتع بها مصعب؛ فقد كان شابًا لبقًا، هادئ الطباع، واسع الصدر، بليغ الحجة، ولديه قدرة فائقة على الإقناع دون استخدام العنف أو التعصب. نزل مصعب ضيفًا في المدينة المنورة على "أسعد بن زرارة"، وبدأ الاثنان يتحركان في أحياء المدينة، يدعوان الناس إلى الله برفق ولين، ويقرآن عليهم ما تيسر من آيات القرآن الكريم ذات البيان الساحر.

الدبلوماسية النبوية وإسلام سادة المدينة

واجه مصعب بن عمير في المدينة مواقف عصيبة كادت أن تودي بحياته، لكن حكمته ودبلوماسيته أنقذت الموقف دائمًا. ومن أشهر هذه المواقف عندما علم "أسيد بن حضير" و"سعد بن معاذ"، وهما من سادة قبيلة الأوس، بنشاط مصعب وأسعد بن زرارة في المدينة، فغضب أسيد وأخذ حربته وتوجه إليهما زاجرًا ومهددًا، وقال لهما بعنف: "ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كان لكما بأنفسكما حاجة!".

قابل مصعب هذا الهجوم العنيف بابتسامة هادئة ونبرة واثقة وقال له بكل أدب: "أو تجلس فستمع؟ فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره". كان هذا العرض منطقيًا للغاية، فغرس أسيد حربته وقال: "أنصفت"، وجلس يستمع. قرأ عليه مصعب القرآن وشرح له مبادئ الإسلام، فلم يمضِ وقت قصير حتى أشرق وجه أسيد بن حضير بنور الإيمان وقال: "ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟"، فعلموه الغسل والنطق بالشهادتين. وتكرر الموقف ذاته وبنفس الحكمة مع سيد الأوس "سعد بن معاذ"، الذي بادر بالإسلام، وتبعه بعد ذلك بنو عبد الأشهل جميعًا، حتى لم تبقَ دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، بفضل الله ثم بفضل حكمة مصعب بن عمير.

استشهاده في غزوة أحد والأثر الخالد

عاد مصعب بن عمير إلى مكة في موسم الحج التالي ومعه وفد كبير من الأنصار ليبشر النبي صلى الله عليه وسلم بنجاح مهمته، ويسطر تمهيدًا حقيقيًا لهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة المنورة، وبناء اللبنة الأولى للدولة الإسلامية. وبعد الهجرة النبوية، شارك مصعب في غزوة بدر بلاءً حسنًا، ثم جاءت غزوة أحد لتكون المحطة الأخير في حياة هذا البطل العظيم.

في غزوة أحد، حمل مصعب بن عمير لواء المسلمين بطلب من النبي صلى الله عليه وسلم، ولما اضطربت صفوف المسلمين في المعركة بسبب مخالفة الرماة لأوامر الرسول وتكالب المشركون حول النبي يريدون قتله، ثبت مصعب بن عمير كالطود الشامخ يدافع عن رسول الله رافعًا اللواء ليوجه أنظار المشركين إليه بعيدًا عن النبي. تقدم إليه فارس من المشركين وضربه بالسيف على يده اليمنى فقطعها، فأمسك مصعب اللواء بيده اليسرى وهو يقول: "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل"، فضرب يده اليسرى فقطعها، فضمه بساعديه إلى صدره حتى طعنه المشرك برمح في صدره فخر شهيدًا، وسقط معه اللواء ليحمله صحابي آخر.

بعد انتهاء المعركة، وقف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتفقدون الشهداء، فوجدوا مصعب بن عمير ملقى على الأرض وجسده الطاهر مغطى بالدماء. وعندما أرادوا تكفينه، لم يجدوا له ثوبًا يكفي لتغطيته كاملاً؛ فكانوا إذا غطوا رأسه برزت رجلاه، وإذا غطوا رجليه برز رأسه، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم تذكرًا لحاله في مكة وما صار إليه حاله، وأمرهم قائلاً: "غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر (وهو نوع من الحشائش والنباتات)". وتلا النبي صلى الله عليه وسلم فوق جسده قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}، لتبقى سيرة مصعب نموذجًا ملهمًا في التضحية والوفاء بالعهد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد عبد العزيز تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-