كعب الأحبار من اليهودية الي الإسلام
من حَبْر لليهود إلى مستشار للفاروق.. "كعب الأحبار" لغز
الصحراء ومستودع أسرار الكتب القديمة
المدينة المنورة — بقلم [ الصحفي،،،، / محمد التونى ]
في حقبة تاريخية تحولت فيها مصائر الأمم، وتغيرت معها خرائط الجزيرة العربية، برزت شخصية أثارت خلف كواليس
التاريخ الكثير من الجدل، ولا تزال مروياتها تصنع الحدث حتى يومنا هذا. إنه "كعب بن ماتع الحِميَري"، الشهير بـ "كعب الأحبار"؛ الرجل الذي غادر عرش الكهانة اليهودية في أحراش اليمن، ليصبح أحد أقرب المستشارين التاريخيين لخليفة المسلمين الثاني، عمر بن الخطاب.
هذا التقرير يستعرض القصة الكاملة والمفصلة لرحلة هذا الرجل؛ من الصناديق المغلقة لوالده في اليمن، وحتى وفاته في حمص.
-----------------------------
الفصل الأول: في قلب "ظِفار".. كيف صُنِع الحَبْر الأعظم؟
في أواخر الجاهلية، وقبل أن يشرق نور الإسلام، كانت مدينة "ظفار" في اليمن مركزاً لحضارة حمير، وحصناً لثقافة دينية معقدة. هناك، نشأ كعب في بيت يُعد بمثابة "مكتبة وطنية" للديانة اليهودية وتراث الشرق الأدنى القديم.
كان والده ماتع حَبْراً مهيباً، وعالماً لا يبارى في تفسير التوراة والتراث العبراني. تلقى كعب عن أبيه علوم الفلك، والتاريخ القديم، واللغات، وقصص الأنبياء، حتى غدا يُشار إليه بالبنان كواحد من أعلم أهل الأرض بالكتب القديمة.
ولكن، شابت هذه النشأة "عقدة درامية" غامضة؛ فقد كان والده يمنعه من الاطلاع على أجزاء معينة من التراث، ضامناً ولائه لليهودية بعهد غليظ.
-----------------------------
الفصل الثاني: المؤامرة الأبوية.. سر "الصحيفة المختومة"
عاصر كعب البعثة النبوية كاملة في مكة والمدينة، ورغم سماعه بأخبار النبي محمد ﷺ، إلا أنه ظل متمسكاً بدينه، مما أثار دهشة معاصريه. السر وراء هذا التأخر كشفه كعب بنفسه لاحقاً في جلسة تاريخية بالمدينة المنورة، حيث روى قائلاً:
"إن أبي كتب لي كتاباً من التوراة، وقال لي: اعمل بهذا. ثم عمد إلى كتب أخرى، فختم عليها بالصلصال (الشمع)، وأخذ عليّ عهداً بحق الأبوة ألّا أفضّ الأختام عنها أبداً."
استمر كعب على عهده حتى توفي والده. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية واقترابها من اليمن، انتابت كعب شكوك معرفية. قال في نفسه: "إن أبي لم يخبئ عني هذه الكتب إلا لأمر عظيم".
توجّه كعب إلى الصندوق المحرم، وحطّم الأختام بأصابع ترتجف. فتح الصفحات الصفراء القديمة، لتفجأه المفاجأة: كانت الكتب تحتوي على أوصاف تفصيلية دقيقة للنبي الخاتم، وصفات أمته، ومهاجره. حينها أدرك كعب أن والده كان يخشى عليه مفارقة دين أجداده، فحزم أمتعته فوراً، وأعلن إسلامه، متوجهاً إلى عاصمة الخلافة.
------------------------------
الفصل الثالث: الإنزال الثقافي في المدينة والصدام مع "النزعة العمرية"
وصل كعب إلى المدينة المنورة في خلافة عمر بن الخطاب (ورجحت مصادر أخرى أنه وصل قبيل وفاة أبي بكر). دخل الرجل المدينة لا كلاجئ، بل كـ "موسوعة متحركة". تهافت عليه الصحابة والتابعون ينهلون من قصص الأنبياء وبدء الخلق، وكان من أبرز تلاميذه أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص.
لكن دخوله لم يكن سهلاً؛ فالخليفة عمر بن الخطاب، بعقليته الصارمة ونزعته لحماية النص القرآني من الشوائب، كان يراقب كعباً بحذر شديد. في إحدى الروايات التاريخية، هدد عمر كعباً بالنفي إلى أرض قردة (اليمن) إذا لم يترك التحديث عن الكتب القديمة، خشية أن يختلط كلام بني إسرائيل بالقرآن.
ومع ذلك، فرضت خبرة كعب نفسها كـ "مستشار جيوسياسي وتاريخي" للخلافة.
------------------------------
الفصل الرابع: كواليس فتح القدس.. معركة القبلتين
في عام 15 هجرية، رافق كعب الأحبار الخليفة عمر في رحلته التاريخية لاستلام مفاتيح بيت المقدس. وهناك، حدث الموقف الأبرز الذي سجله المؤرخون في "مستندات" تلك الحقبة:
حينما دخل عمر المسجد الأقصى (وكان خراباً ومليئاً بالقمامة)، بدأ ينظفه بردائه، وطلب من كعب تحديد مكان لبناء المصلى.
* اقتراح كعب: أشار كعب بأن يُبنى المصلى خلف الصخرة، بحيث إذا قام المصلي يستقبل الكعبة، تكون الصخرة أمامه أيضاً، وبذلك تُجمع القبلتان (اليهودية والإسلامية) في خط صلاة واحد.
* رد فعل عمر: تنبه الخليفة فوراً للبعد العقدي، وصاح بعبارته الشهيرة: "ضاهيت اليهودية يا كعب! (أي شابهت اليهود). بل نبنيه في صدر المسجد". فجعل عمر المصلى في مقدمة المسجد جنوباً، بحيث تكون الكعبة في القبلة، والصخرة خلف المصلين تماماً، لإلغاء أي تعظيم للصخرة على حساب الكعبة.
------------------------------
الفصل الخامس: الانتقال إلى الشام.. صانع البروباغندا في بلاط معاوية
بعد استشهاد عمر بن الخطاب، انفتحت الأبواب لكعب بشكل أوسع في عهد عثمان بن عفان. انتقل كعب إلى بلاد الشام، وهناك التقى بالوالي الطموح معاوية بن أبي سفيان.
وجد معاوية في كعب ضالته؛ فرجل يملك خطابات دينية ونبوءات قديمة عن مستقبل الشام والملك، كان يمثل أداة قوية لتثبيت حكمه. قربه معاوية، وجعله قاصّاً رسمياً ومحدثاً للناس. وكان معاوية يقول عنه علناً: "إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب" (ويقصد بالخطأ غير المتعمد في نقل النبوءات القديمة، لا الكذب المتعمد).
------------------------------
الفصل الأخير: التحقيق التاريخي.. هل كان كعب "مخترقاً" أم "مخلصاً"؟
توفي كعب الأحبار في مدينة حمص السورية سنة 34 هـ، عن عمر ناهز المئة عام، تاركاً وراءه إرثاً ضخماً عُرف في علوم الحديث بـ "الإسرائيليات". واليوم، ينقسم المحققون والمؤرخون حول شخصيته إلى مدرستين:
1. مدرسة الدفاع (الجمهور القديم): تراه تابعاً جليلاً، أسلم عن قناعة، وحَسُن إسلامه، واستفاد المسلمون من علمه بالقصص التاريخية التي لا تمس العقيدة الإسلامية، مع تطبيق قاعدة (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم).
2. مدرسة النقد (المحدثون): يقودها باحثون يرون أن كعباً، سواء بحسن نية أو بسوئها، نجح في "تهجين" الفكر الإسلامي بروايات خرافية وقصص تلمودية تغلغلت في كتب التفسير (مثل تفاصيل حوت يونس، وعرش سليمان، وقصص بدء الخلق)، وهو ما استدعى جهوداً جبارة من علماء الحديث لاحقاً لتنقية التراث.
ويبقى السؤال مفتوحاً في أروقة التاريخ: هل كان كعب الأحبار مجرد جسر معرفي نقل ثقافة أمة إلى أمة، أم أنه كان مهندس الاختراق الثقافي الأول في التاريخ الإسلامي؟
------------------------------