الحجاج بن يوسف الثقافي
# الحجاج بن يوسف الثقفي: "مُهندس الدماء والإعمار" الذي حكم الشرق بالحديد والقرآن
في تاريخ الأمم شخصيات لا تمنح المؤرخين رفاهية الإجماع؛ تفرض حضورها كعاصفة ترفض التحييد. وفي تاريخ الحضارة الإسلامية، لا توجد شخصية تجسد هذا الانقسام الحاد والدراماتيكي كما تجسده شخصية **الحجاج بن يوسف الثقفي**.
رجلٌ يراه خصومه طاغيةً سفاحاً استباح الحرمات وسفك دماء الصحابة والتابعين، ويراه موالوه عبقريةً إدارية وعسكرية فذة، لولاه لانفرط عقد الدولة الإسلامية وتشرذمت إلى دويلات. بين المعلم الزاهد في الطائف، والحاكم المطلق في العراق، نروي قصة "رجل الدولة الأخطر" في العصر الأموي بصيغة استقصائية تفكك خيوط هذه الأسطورة المثيرة للجدل.
الفصل الأول: من كتاتيب الطائف إلى بلاط دمشق
لم تكن بداية الحجاج توحي بأنه سيصبح "ديكتاتور الشرق". وُلِد في الطائف عام 41 هـ (661 م) لأسرة مجاهدة لكنها فقيرة. في شبابه، اشتغل بالحرفة الأكثر وقاراً وبساطة آنذاك: **تعليم الصبيان القرآن الكريم** رفقة والده.
هذه الخلفية القرآنية لم تكن مجرد مرحلة عابرة، بل كانت المفتاح الصارم لشخصيته؛ منها استمد فصاحة لسان نادرة، وبياناً يطوع لغة العرب كالسيف، وحفظاً دقيقاً للآيات سيتكئ عليه لاحقاً لتبرير أشد قراراته السياسية قسوة.
لكن الطائف كانت تضيق بطموح الشاب الثقفي. ترك التعليم والتحق بـ "شرطة دمشق" في عهد الخليفة الأموي المؤسس الثاني **عبد الملك بن مروان**. هناك، بزغ نجمه كعسكري صارم لا يعرف الاستثناء، أعاد الانضباط لجند الشام المتكاسلين، ولفت أنظار الخليفة الذكي الذي كان يبحث عن "يد ثقيلة" تحسم الصراعات المشتعلة في أرجاء الخلافة.
الفصل الثاني: الحسم الدموي.. حصار مكة وإنهاء دولة ابن الزبير
جاء الاختبار الأكبر عام 73 هـ. كانت الخلافة الأموية مهددة في وجودها بوجود خلافة موازية وقوية يقودها **عبد الله بن الزبير** من مكة المكرمة، والتي بايعتها معظم الأقاليم الإسلامية.
أوكل عبد الملك المهمة الانتحارية للحجاج. زحف الحجاج بجيشه وفرض حصاراً خانقاً على مكة، ولم يتردد في نصب المناجيق على جبل قبيس وقصف المدينة لكسر الروح المعنوية للمدافعين عنها. كان مشهداً تراجيدياً انتهى بمقتل ابن الزبير (ابن أسماء بنت أبي بكر الصديق) وتعليق جثمانه.
حسم الحجاج الصراع العسكري لصالح بني أمية، ووحد الخلافة تحت راية دمشق، لكنه دفع ثمن ذلك سياسياً وأخلاقياً في وجدان الذاكرة التاريخية التي لم تغفر له استباحة حرمة مكة.
الفصل الثالث: ولاية العراق.. ليلة الدخول المتنكر والخطبة التاريخية
كافأه الخليفة بأصعب ملف في الدولة: **ولاية العراق** (الكوفة والبصرة)، والتي كانت بمثابة "برميل بارود" مشتعل بالثورات والتمردات ضد الحكم الأموي.
في عام 75 هـ، دخل الحجاج الكوفة في مشهد درامي بامتياز: دخل مسجداً ملثماً، يتهادى في مشيته، وصعد المنبر في صمت مريب حبس أنفاس الحاضرين، حتى كشف عن وجهه وألقى واحدة من أشهر الخطب الإستراتيجية في تاريخ السياسة والبيان العربي، والتي قال في مطلعها:
> **"أنا ابن جلا وطلاع الثنايا.. متى أضع العمامة تعرفوني"**
> **"أما والله إني لأرى أرؤساً قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى..."**
لم تكن الخطبة مجرد استعراض لغوي، بل كانت إعلاناً عن عقيدة سياسية جديدة: **الأمن قبل الحرية، والطاعة المطلقة أو السيف**. نجح في فرض الأمن بقبضة حديدية، وقضى على كل بؤر التمرد، وسير الجيوش التي كانت ترفض القتال بمجرد إشارة من أصبعه.
الفصل الرابع: مواجهة الانشقاق الأكبر (ثورة ابن الأشعث)
لم يمر حكم الحجاج للعراق دون اهتزازات عنيفة. كان الاختبار الأقسى هو **ثورة عبد الرحمن بن الأشعث** (81 - 83 هـ)، وهي لم تكن ثورة خوارج، بل كانت تمرد النخبة العسكرية والفقهاء والقراء في العراق الذين ضاقوا بظلم الحجاج وصارمته.
تحولت الثورة إلى حرب أهلية طاحنة، والتقت الجيوش في **"معركة دير الجماجم"**. كاد الحجاج أن يخسر ملكه وحياته، لولا الدعم العسكري المتواصل من دمشق، وحنكته العسكرية الشخصية في إدارة الأزمات، حيث استطاع في النهاية سحق التمرد، وتبعه بموجة تصفيات جسدية واسعة النطاق شملت كبار العلماء، وكان من أبرز ضحاياها التابعي الجليل **سعيد بن جبير**، وهي التصفية التي شكلت العقدة النفسية والأخلاقية الأبرز في أواخر حياة الحجاج.
--- الفصل الخامس: الوجه الآخر للطاغية.. العبقرية الإدارية والفتوحات
إذا توقفت القصة هنا، لكان الحجاج مجرد جلاد في كتاب التاريخ. لكن الصحفي المحترف يلزمه البحث في الوجه الآخر للعملة؛ فالحجاج نفسه كان مهندس النهضة الحضارية للدولة الأموية:
* **تنقيط وضبط المصحف:** بدافع غيرة المعلم القديم، لاحظ الحجاج دخول اللحن (الخطأ في القراءة) على لغة القرآن بسبب دخول الأعاجم للإسلام. أمر تلامذة أبي الأسود الدؤلي بنقط المصحف وشكله وتجزئته، وهو الإنجاز العظيم الذي بين أيدي المسلمين اليوم.
* **تعريب الدواوين وصك العملة:** قاد أكبر عملية "استقلال اقتصادي وإداري" في العهد الأموي، بتحويل لغة المعاملات الرسمية من الفارسية والرومية إلى العربية، وصك دينار إسلامي خالص يحمل الهوية العربية بدلاً من العملات البيزنطية.
* **بناء المدن الجديدة:** أسس مدينة **"واسط"** في العراق لتكون حلقة الوصل وعاصمة إدارية ومعسكراً لجنوده الشاميين، ونظم الري والزراعة في أرض السواد (العراق).
* **إمبراطورية الفتوحات شرقاً:** كان الحجاج بمثابة "وزير الدفاع" للامتداد الإسلامي شرقاً. بعبقريته في اختيار القيادات ودعمها، أرسل الشاب **محمد بن القاسم الثقفي** لفتح بلاد السند (باكستان والهند اليوم)، وأرسل القائد الفذ **قتيبة بن مسلم الباهلي** لفتح بلاد ما وراء النهر (آسيا الوسطى)، لتصل راية الخلافة إلى حدود الصين بفضل خططه الإستراتيجية وإمداداته اللوجستية.
الفصل الأخير: الرحيل الدرامي والتركة المعقدة
في عام 95 هـ (714 م)، وبمدينة واسط التي بناها، أُصيب الحجاج بمرض عضال في المعدة (قيل إنه سرطان المعدة أو الآكلة). عانى سكرات الموت طويلاً، ويُنقل عنه في لحظاته الأخيرة تنوعاً عجيباً بين الخوف والرجاء، حيث كان يردد البيوت الشهيرة:
> **يَا رَبِّ قَدْ حَلَفَ الأَعْدَاءُ وَاجْتَهَدُوا ... بِأَنَّنِي رَجُلٌ مِنْ سَاكِنِي النَّارِ**
> **أَيَحْلِفُونَ عَلَى عَمْيَاءَ وَيْحَهُمُ؟ ... مَا ظَنُّ مَنْ عَفْوِكَ العَالِي بِغَفَّارِ؟**
مات الحجاج عن عمر ناهز 54 عاماً، ودُفن سراً في واسط، وعُمي قبره خوفاً من أن ينبشه خصومه الكثر.
**خاتمة التقرير:**
مات الحجاج بن يوسف الثقفي، وتُركت سيرته للمحاكمة التاريخية والأخلاقية. لا يمكن لصحفي منصف أن يبرر دماءه وساديته في التخلص من معارضيه، ولا يمكن لمؤرخ سياسي أن ينكر أنه كان الدعامة الصلبة التي حمت الدولة الإسلامية من التفكك وقادتها نحو العالمية والنهضة المؤسسية.
إنه الحجاج... القصة الكاملة لرجلٍ عاش بلسان بليغ، وقلب من حديد، وسيف لا يغمد، فكان بحق **"الشخصية الأكثر جدلاً في تاريخ العرب"**.
محرر صحفي // محمد التونى