وهب بن منبه
# وهب بن منبّه: "أرشيفت جيل التابعين" ومفكك شفرات الكتب القديمة
في الوقت الذي كان فيه جيل التابعين ينكب على تدوين أحاديث الأحكام والفقه، كان هناك رجل في اليمن ينظر إلى الأفق البعيد، باحثاً عن جذور البشرية، وبداية الخلق، وأسرار الأنبياء والملوك الراحلين. لم يكن يكتفي برواية الحاضر، بل كان شغوفاً بفك شفرات الماضي السحيق.
هو **وهب بن منبّه اليماني**؛ الرجل الذي تحول إلى "مؤسسة وثائقية كاملة" في القرن الأول الهجري. اعتمدت على مروياته كبرى موسوعات التاريخ الإسلامي اللاحقة كـ "تاريخ الطبري" و"ابن الأثير". في هذا التقرير، نغوص في أعماق مسيرة هذا المفكر الاستثنائي، الذي أثار فضول الباحثين ووصفه المؤرخون بـ "صندوق أسرار الأمم السابقة
".
---
## الفصل الأول: من دماء الفرس إلى تراب اليمن.. نشأة في ملتقى الحضارات
لم تكن ولادة وهب بن منبه في مدينة **ذمار** اليمنية حوالي عام 34 هـ ولادة عادية، بل جاءت نتاج تمازج حضاري فريد. فوالده، "منبّه بن كامل"، كان أحد جنود الجيش الفاسي البواسل الذين أرسلهم كسرى أنوشروان بقيادة سيف بن ذي يزن لطرد الأحباش من اليمن.
هذا التكوين الأسري منح الشاب وهب ميزة استثنائية:
* **تعدد الثقافات:** نشأ في بيئة تتنفس تاريخ الحضارات اليمنية القديمة (سبأ وحِمْير)، ويمتلك في عروقه دماءً فارسية منفتحة على أساطير الشرق.
* **النزعة الموسوعية:** لم تكن الثقافة العربية الشفهية هي ميزته الوحيدة، بل كان من القلائل الذين أتقنوا القراءة والبحث في المخطوطات والكتب القديمة المأثورة عن أهل الكتاب (اليهود والنصارى).
هذه الخلفية جعلت منه قارئاً نهماً، لا يمر بكتاب قديم أو صحيفة بالية إلا وتعمق في سبر أغوارها، حتى قيل إنه قرأ أكثر من ثلاثين كتاباً من كتب الأنبياء السابقين.
الفصل الثاني: العابد القاضي.. التوازن الصعب بين المحراب والمنصة
رغم غرقه في بحور التاريخ والقصص، لم يكن وهب بن منبه باحثاً منعزلاً في برج عاجي، بل كان ركناً من أركان العبادة والورع في عصره.
تنقل المصادر التاريخية بصدمة إيجابية ملامح من زهده؛ فقد عُرف بطول القيام، حتى ذكر مترجمو سيرته أنه مكث نحو أربعين سنة يصلي الصبح بوضوء العشاء من شدة استغراقه في التعبد والمدارسة. هذا السلوك الروحي أكسبه مصداقية هائلة وثقة مطلقة بين معاصريه من العلماء والتابعين، مثل سفيان الثوري وعمرو بن دينار.
ولأن العدالة لا تستقيم إلا برجل يجمع بين العلم والورع، فقد اختاره الخليفة الأموي الراشد **عمر بن عبد العزيز** ليتولى منصب **القضاء في صنعاء**. أدار وهب منصة القضاء بحزم العالم وبصيرة العابد، مستلهماً قصص العدالة التاريخية التي قرأها في كتب الأمم السابقة لتطبيقها على أرض الواقع.
الفصل الثالث: "الإسرائيليات" والاستجواب التاريخي.. أمانة الناقل وضبابية المنقول
يرتبط اسم وهب بن منبه في الفكر الإسلامي بمصطلح **"الإسرائيليات"** (وهي الأخبار والقصص المنقولة عن التراث اليهودي والمسيحي). وهنا يبرز السؤال الصحفي الأهم: **هل كان وهب بن منبه مصدراً موثوقاً أم ناقلاً للأساطير؟**
التحقيق في منهجه يكشف عن الآتي:
* **منهج النقل لا الابتداع:** وثّق كبار علماء الجرح والتعديل (كالإمام الذهبي والنسائي) وهب بن منبه كـ "رجل صادق في نفسه". كان ينقل ما يجد في الكتب القديمة بأمانة تامة: "وجدتها مكتوبة كذا وكذا".
* **سد الفراغ المعرفي:** كان يرى أن القرآن الكريم يذكر قصص الأنبياء (كأصحاب الكهف، وموسى، ويوسف، وسليمان) باختصار شديد للاتعاظ، فكان يستعين بالكتب القديمة لتفصيل السرد وتوضيح الخلفيات التاريخية والجغرافية، وهو ما كان يشبع نهم المسلمين الأوائل لمعرفة تاريخ العالم.
* **موقف النقد اللاحق:** عاب عليه بعض علماء الحديث اللاحقين الإفراط في النقل عن كتب قد تصيب وقد تخطئ، لكنهم لم يتهموه قط بالكذب، بل اعتبروه ناقلاً لتراث إنساني وتاريخي واسع، العهدة فيه على المصادر الأصلية لا على الناقل.
الفصل الرابع: الإرث المكتوب.. واضع حجر الأساس للمؤرخين
تكمن عبقرية وهب بن منبه في أنه من أوائل من حوّلوا الثقافة العربية من الطور الشفهي إلى **الطور التدويني المكتوب**. ونسبت إليه مصنفات هامة شكلت المادة الخام لكل من جاء بعده:
1. **كتاب المبتدأ (قصص الأنبياء):** وهو أول محاولة إسلامية لتدوين تاريخ البشرية منذ بدء الخلق وحتى بعثة النبي ﷺ.
2. **كتاب التيجان في ملوك حِمْير:** أرخ فيه بدقة وبشغف صحفي لملوك اليمن القدامى، وأنسابهم، وقصورهم، وسدودهم، وأشعارهم، وحفظ بهذا الكتاب جزءاً هائلاً من الهوية والذاكرة اليمنية قبل الإسلام من الضياع.
3. **مغازي رسول الله ﷺ:** أثبتت الاكتشافات الحديثة لبعض البرديات أن وهب بن منبه كان من أوائل من كتبوا في السيرة النبوية والمغازي، سابِقاً بذلك محمد بن إسحاق الشهير.
الفصل الأخير: نهاية غامضة لرحلة ملهمة
توفي هذا العلامة الموسوعي في مدينة **صنعاء** حوالي عام **114 هـ** (732 م) في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، مخلفاً وراءه ثروة معرفية غير مسبوقة وتلاميذ حملوا علمه إلى الأمصار.
**خاتمة التقرير:**
لم يكن وهب بن منبه مجرد راوٍ عابر؛ لقد كان "جسر التواصل المعرفي" بين التراث الإنساني القديم وبين الحضارة الإسلامية الناشئة. إن قصة حياته هي قصة العقل الباحث عن البدايات، ورغم كل الجدل الذي دار حول مروياته، يبقى وهب بن منبه الصحفي الأول للتاريخ القديم، والمؤرخ الذي فتح للمسلمين نافذة واسعة على أخبار وأسرار الأمم التي خلت.
محرر صحفي // محمد التونى