مولد النبي محمد ﷺ في تاريخ الإسلام

نسب النبي محمد ﷺ ووفاة والده قبل مولده
نسب النبي ﷺ الشريف
أريد أن أذكر لك مجموعة من المعلومات المهمة في بداية قصة حياة سيدنا رسول الله ﷺ، ومن المهم أن يعرفها كل مسلم.
حفظ العلماء أكثر من عشرين اسمًا من نسب النبي ﷺ، لكن يكفي أن تحفظ الأسماء الخمسة الآتية:
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف.
احفظها جيدًا: محمد، عبد الله، عبد المطلب، هاشم، عبد مناف.
أما والدة النبي ﷺ فهي السيدة آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، ويلتقي نسبها مع نسب النبي ﷺ في عبد مناف، ولذلك كانت بينهما قرابة.
وقد تزوج عبد الله بن عبد المطلب من السيدة آمنة بنت وهب، وقال النبي ﷺ مبينًا شرف نسبه:
«إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.»
وقال ﷺ أيضًا:
«إن الله لما خلق الخلق قسمهم إلى فرقتين، فجعلني في خير فرقة، ثم قسمهم إلى فرقتين، فجعلني في خير فرقة، ثم اتخذ من هذه الفرقة قبيلة، وهي قريش، ثم اتخذ من قريش بني هاشم، ثم جعلني من بني هاشم، فأنا خير من خير.»
وهذه شهادة من النبي ﷺ على شرف نسبه، ويستدل بها كثير من العلماء على علو مكانة نسبه الشريف، وهي معلومة سنحتاج إليها فيما بعد.
زواج عبد الله وآمنة بنت وهب
تزوج سيدنا عبد الله، والد النبي ﷺ، من السيدة آمنة بنت وهب، ثم حملت برسول الله ﷺ.
وقد روي عنها أنها قالت:
«فلم أجد لحمله وجعًا ولا مغصًا، وإنما كان حملًا خفيفًا.»
وكان عبد الله رضي الله عنه في الخامسة والعشرين من عمره عندما خرج في رحلة تجارة من مكة إلى الشام، وهي إحدى رحلتي قريش المشهورتين؛ رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام.
وفي طريق العودة مرض، فنزل عند أخواله من بني عدي بن النجار في يثرب (المدينة المنورة)، ليُعالَج عندهم، بينما واصلت القافلة طريقها إلى مكة.
وفي أثناء ذلك توفي عبد الله رضي الله عنه، وكانت السيدة آمنة لا تزال حاملًا برسول الله ﷺ.
وفاة والد النبي ﷺ
من المعلومات التي قد لا يعرفها كثير من الناس أن عبد الله، والد النبي ﷺ، دُفن في المدينة المنورة في موضع يُعرف بـ دار النابغة، جنوب غرب المسجد النبوي.
وقد حزن عليه والده عبد المطلب حزنًا شديدًا عندما وصله خبر وفاته.
وهكذا أصبح رسول الله ﷺ يتيم الأب قبل أن يولد، وكانت السيدة آمنة لا تزال حاملًا به.
مولد النبي محمد ﷺ وتسميته ورضاعته
مولد النبي ﷺ
وُلد سيدنا محمد ﷺ يوم 12 ربيع الأول، الموافق تقريبًا 20 أبريل سنة 571م، بعد نحو خمسين يومًا من واقعة الفيل.
وقد اختلف العلماء في تحديد اليوم الذي وُلد فيه النبي ﷺ، ووردت في ذلك عدة أقوال، حتى قيل إنها تزيد على ثمانية أقوال. إلا أن جمهور العلماء، وهو ما نُقل عن الصحابيين الجليلين جابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، رجحوا أنه وُلد في 12 ربيع الأول.
ويُذكر أن هذا اليوم ارتبط بعدة أحداث عظيمة في حياة النبي ﷺ؛ فقد قيل: إنه اليوم الذي وُلد فيه، واليوم الذي بُعث فيه، واليوم الذي أُسري به، واليوم الذي هاجر فيه، واليوم الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم.
أحداث صاحبت مولد النبي ﷺ
ذكرت السيدة آمنة بنت وهب أنها لم تجد في حملها بالنبي ﷺ وجعًا ولا مشقة، فلما ولدته بمكة، بعد خمسين يومًا من واقعة الفيل، وقع حدث عظيم.
وقد أشار الله تعالى إلى حادثة الفيل في قوله سبحانه:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾.
وروى الإمام السيوطي أن السيدة آمنة قالت:
«فخرج مني نور أضاءت له السماء.»
كما وردت بعض الروايات ـ وقد ضعَّفها عدد من أهل العلم ـ أن النبي ﷺ وُلد معتمدًا بيده على الأرض، وكان مختونًا، ومقطوع السُّرَّة، وكأنه نزل في أبهى صورة وأكمل هيئة، صلى الله عليه وآله وسلم.
تسمية النبي ﷺ
فرح عبد المطلب فرحًا شديدًا بمولد حفيده، وشعر بمسؤوليته تجاهه، خاصة بعد وفاة والده عبد الله.
وبعد سبعة أيام من ولادة النبي ﷺ، ذبح عبد المطلب الذبائح، وأطعم أهل مكة، فسأله الناس:
بماذا ستسميه؟
فقال:
«أسميه محمدًا؛ ليحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض.»
أول من أرضع النبي ﷺ
ثم جاءت ثويبة، مولاة أبي لهب، فأرضعت النبي ﷺ.
وكانت ثويبة قد أرضعت أيضًا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، الذي كان يكبر النبي ﷺ بنحو سنتين، فأصبح حمزة أخًا للنبي ﷺ من الرضاعة.
وبعد ذلك بدأ أهل النبي ﷺ يبحثون له عن مرضعة من خارج مكة، كما كانت عادة العرب في ذلك الوقت، لينشأ الأطفال في البادية حيث صفاء الجو وفصاحة اللسان.
نشأة النبي ﷺ يتيمًا ورعاية الله له
رعاية الله لنبيه منذ صغره
كانت نشأة سيدنا محمد ﷺ كلها نورًا وعناية من الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل يرزق بالأسباب، ويرزق بغير الأسباب، بل ويرزق بضد الأسباب كما بيَّن العلماء.
فإذا أخذ الله من العبد شيئًا بحكمته، فإنه يعوضه بخير منه. وليس معنى أن ينشأ الإنسان يتيم الأب، أو يتيم الأب والأم، أن حياته ستكون ناقصة، لأن حقيقة الرعاية والعناية تكون من الله سبحانه وتعالى.
ولذلك صدق أجدادنا حين قالوا: "ما يربي إلا ربي"، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يخلق، ويملك، ويرزق، ويتولى شؤون عباده.
وقد قال الله تعالى مخاطبًا نبيه ﷺ، وهي رسالة طمأنينة لكل يتيم:
﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾.
إن الله سبحانه وتعالى إذا ابتلى إنسانًا بفقد والديه أو أحدهما، فإنه يضع الرحمة والحنان في قلوب من حوله، ويهيئ له من يرعاه ويعتني به.
قد يقول قائل: لا يوجد عوض عن الأب أو الأم، وهذا صحيح، ولكن الله سبحانه وتعالى يفتح للإنسان أبوابًا أخرى من الرحمة والرعاية، فالرحمة التي أودعها الله في قلوب الوالدين هي من خلق الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى.
وعلى مر التاريخ خرج من بين الأيتام رجال عظماء، وعلماء، وقادة، ومؤثرون، فلم يكن اليتم يومًا مانعًا من النجاح أو التفوق، لأن الله سبحانه وتعالى يعوض عباده بما يشاء من فضله.
مكانة والدي النبي ﷺ
ومن المسائل التي يذكرها بعض العلماء عند الحديث عن السيرة النبوية مسألة والدي النبي ﷺ.
ويستدل بعض أهل العلم بقول النبي ﷺ إنه من "خيار من خيار"، وأن الله اصطفى له خير الأنساب، على شرف نسبه الكريم.
كما يستدلون أيضًا بمسألة أهل الفترة، وهم الذين عاشوا في زمن انقطاع الرسل قبل بعثة النبي ﷺ، مستدلين بقول الله تعالى:
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وقد وُلد النبي سيدنا محمد ﷺ سنة 571م تقريبًا، بعد رفع سيدنا عيسى عليه السلام بقرون، وهي فترة لم يكن فيها رسول جديد، ولذلك وقع بين العلماء كلام معروف في حكم أهل الفترة.
ولهذا يرى عدد من أهل العلم عدم الخوض في هذه المسألة، مع توقير والدي النبي ﷺ، وترك علم ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، مع احترام أقوال العلماء في هذه القضية.
خاتمة
بدأت حياة النبي سيدنا محمد ﷺ وهو يتيم الأب، لكن الله سبحانه وتعالى تكفَّل برعايته منذ اللحظة الأولى، وهيأ له أسباب الحفظ والعناية، ليكون خير خلق الله، ورحمةً للعالمين.
وهكذا كانت بداية السيرة النبوية مليئةً بالدروس والعبر؛ فمن تأملها أيقن أن الله سبحانه وتعالى إذا تولى عبدًا بالرعاية، فلن يضيعه أبدًا.