قيام الليل في رمضان: باب النور الذي لا يُغلق

قيام الليل في رمضان: باب النور الذي لا يُغلق

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about قيام الليل في رمضان: باب النور الذي لا يُغلق

قيام الليل في رمضان: باب النور الذي لا يُغلق

 

في زحام الحياة وضجيج الأيام، يبقى هناك وقت مختلف، وقت يسكن فيه الكون، وتخفت فيه الأصوات، وتصفو فيه القلوب… إنه وقت قيام الليل. ومع حلول شهر رمضان، يصبح هذا الوقت أعظم وأثمن، لأنك لا تقوم فيه فقط، بل تقوم في شهر تتضاعف فيه الحسنات، وتُفتح فيه أبواب السماء، وتُجاب فيه الدعوات.

قيام الليل في رمضان ليس عبادة عادية، بل هو لحظة اصطفاء. لحظة يراك الله فيها وأنت تترك فراشك الدافئ، وتقاوم نعاسك، وتختار أن تقف بين يديه وحدك. لا يراك أحد، ولا يسمعك أحد، لكن الله يسمعك، ويعلم ما في قلبك، ويرى صدقك. وهذه هي أعظم المعاني: أن تكون علاقتك مع الله خالصة، بعيدة عن أعين الناس.

في الليل، تسقط الأقنعة، وتظهر الحقيقة. لا مجاملات، لا كلمات محفوظة، فقط قلب يتكلم. كم من دعوة خرجت في ظلمة الليل فغيّرت حياة إنسان؟ كم من دمعة نزلت في سجدة فغسلت سنين من الذنوب؟ الليل ليس مجرد وقت، بل هو باب رحمة مفتوح، لكن القليل فقط من يطرق هذا الباب.

ورمضان هو الفرصة الذهبية. لأنك لست وحدك الذي يحاول التقرب، بل الأجواء كلها تساعدك. المساجد عامرة، والقلوب لينة، والروح أقرب للسكينة. حتى لو لم تستطع قيام الليل طوال العام، فإن رمضان يمنحك بداية جديدة، صفحة بيضاء، فرصة لتعود، لتقترب، لتصلح ما انكسر بداخلك.

أجمل ما في قيام الليل أنه لا يحتاج كمالًا، بل يحتاج صدقًا. لا يشترط أن تطيل القيام، ولا أن تحفظ الكثير، ولا أن تبكي طويلًا. يكفي أن تأتي بقلبك. ركعتان صادقتان في جوف الليل قد تكونان أثقل في الميزان من أعمال كثيرة بلا حضور قلب. الله لا ينظر لطول صلاتك، بل ينظر لصدقك فيها.

وفي رمضان، كل سجدة لها طعم مختلف. لأنك تعلم أن هذه الليالي معدودة. ربما تمر سريعًا، وربما لا تدرك رمضان القادم. هذا الشعور وحده كافٍ ليوقظك. أن تقوم وأنت تعلم أن هذه الليلة قد تكون فرصتك الأخيرة، قد تكون الليلة التي تُغفر فيها ذنوبك كلها، أو تُكتب فيها دعوة تغيّر مستقبلك.

قيام الليل أيضًا مدرسة للقلب. يعلمك الصبر، والهدوء، والخلوة مع الله. يعلمك أن أقرب الطرق للراحة ليست في النوم الطويل، بل في السجود الطويل. كم من إنسان نام كثيرًا ولم يرتح، وكم من إنسان قام الليل فامتلأ قلبه سلامًا يكفيه أيامًا.

ولا تنسَ أن أجمل الدعوات تُولد في الليل. حين تتحدث مع الله بلا ترتيب، بلا تكلف، فقط كما أنت. احكِ له كل شيء، حتى الأشياء التي لا تستطيع قولها لأحد. هو يسمعك، يفهمك، ولا يمل منك. وفي رمضان، هذه اللحظات تكون أثمن، لأن أبواب الرحمة مفتوحة على مصراعيها.

إن قيام الليل في رمضان ليس عبئًا، بل هدية. ليس حرمانًا من النوم، بل لقاء مع النور. ومن ذاق هذا النور مرة، عرف أن الليل ليس ظلامًا، بل بداية إشراق من نوع آخر. إشراق يبدأ من الداخل، ويغيّر كل شيء.

فلا تدع رمضان يمر كغيره من الشهور. جرّب أن تقوم، ولو قليلًا. جرّب أن تطرق الباب، ولو مرة. فقد تكون هذه الركعات القليلة هي التي تنقذك، أو ترفعك، أو تغيّر قدرك كله. فرب سجدة في جوف الليل… كانت بداية حياة جديدة.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Hafsa gedawi تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

0

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.