عبدالله يعقوب النبي
سيدنا يعقوب عليه السلام.. رحلة "إسرائيل" من بلاد الشام إلى عرش مصر
لا يمكن قراءة تاريخ الأنبياء دون التوقف طويلاً أمام سيرة نبي الله يعقوب عليه السلام، الملقب بـ "إسرائيل". إنها قصة بدأت بالهجرة وانتهت بالتمكين، وما بينهما سنوات من الصبر الذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً. في هذا المقال الحصري عبر منصة أموالي، نغوص في أدق تفاصيل حياة يعقوب، منذ شبابه وحتى وصيته الأخيرة.
نشأة يعقوب والجو العام: صراع التوحيد والوثنية
وُلد يعقوب في أرض كنعان (فلسطين) في بيت جده إبراهيم وأبيه إسحاق. في ذلك الوقت، كانت المنطقة تموج بعبادات وثنية شتى؛ حيث كان الناس يعبدون الكواكب والأصنام، وكانت عبادة الإلهة "عشتار" (إلهة الحب والحرب عند البابليين والكنعانيين) هي السائدة في المناطق المجاورة، خاصة في بلاد الرافدين التي هاجر إليها يعقوب لاحقاً.
وسط هذا الركام من الوثنية، نشأ يعقوب على "الحنيفية السمحة"، متمسكاً بدعوة جده إبراهيم، وكان شاباً تقياً، هادئاً، ومحباً للعبادة، مما جعله محط أنظار الجميع ومحل بركة والده إسحاق.
رحلة الشباب والهجرة إلى "حاران"
بسبب خلاف مع أخيه التوأم "عيسو"، نصحه والده إسحاق بالهجرة إلى خاله "لابان" في منطقة حاران (شمال بلاد الرافدين). هذه الرحلة لم تكن مجرد هروب، بل كانت بداية تأسيس "أمة". وفي الطريق، رأى يعقوب رؤياه الشهيرة بـ "سُلم السماء"، حيث بشرته الملائكة بأن الأرض التي ينام عليها ستكون لنسله، وأن الله سيكون معه في غربته.
سنوات الشغل والزواج.. صبر الأنبياء
وصل يعقوب إلى خاله لابان، وهناك بدأت مرحلة شاقة من العمل. خطب يعقوب ابنة خاله الصغرى "راحيل" (التي كانت بارعة الجمال)، فاشترط عليه خاله أن يرعى له الغنم لمدة سبع سنوات مهراً لها.
بعد انتهاء المدة، زوّجه خاله ابنته الكبرى "ليئة" بدلاً من راحيل (لأن العرف كان يقضي بزواج الكبرى أولاً). فلم ييأس يعقوب، وعمل سبع سنوات أخرى ليتزوج من راحيل التي كان يحبها. خلال هذه السنوات الـ 14، كان يعقوب مثالاً للأمانة والإخلاص في العمل، وهو ما جعل ثروة خاله تزداد ببركة وجود نبي الله معه.
تأسيس بيت "إسرائيل
" والأسباط الاثني عشر
أنجب يعقوب من زوجاته الأربعة (ليئة، راحيل، بلهة، وزلفة) اثني عشر ولداً، وهم الذين عُرفوا تاريخياً بـ "الأسباط". هؤلاء الأبناء هم النواة الأولى لشعب بني إسرائيل. ومن أشهر أبنائه كان يوسف وبنيامين (من زوجته راحيل)، والذين دارت حولهم أروع قصص القرآن الكريم.
الصراع مع الحزن.. مأساة فقد يوسف
عاد يعقوب بأهله وثروته إلى أرض كنعان، ولكن الابتلاء الحقيقي بدأ هناك. تآمر أبناؤه الكبار على أخيهم يوسف وألقوه في البئر، ليعيش يعقوب في حزن مقيم استمر لأكثر من أربعين عاماً. خلال هذه الفترة، لم يضعف إيمانه، بل كان يقول: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ". هذه الفترة تعكس قوة اليقين في قلب النبي الذي فقد بصره من كثرة البكاء، لكنه ظل واثقاً أن "روح الله" ستعيد له حبيبه.
النهاية السعيدة
والوصية الخالدة
انتهت رحلة يعقوب في مصر، حيث انتقل إليها بدعوة من ابنه يوسف الذي أصبح عزيزاً لمصر. عاش هناك 17 عاماً في عزة وتمكين، وحينما حضرته الوفاة، جمع أبناءه ليتأكد من بقائهم على دين التوحيد، وأوصاهم بأن يُدفن بجوار أبيه وجده في "مغارة المكفيلة" في الخليل بفلسطين.