زلزال العدالة في سمرقند (الفتح الحقيقي)

زلزال العدالة في سمرقند (الفتح الحقيقي)

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 زلزال العدالة في سمرقند 

(الفتح الحقيقي)

image about  زلزال العدالة في سمرقند (الفتح الحقيقي)

في أعماق التاريخ الإسلامي، وتحديداً حين كانت خيول المسلمين تطوي الأرض طياً لتنشر نور الهداية، وقعت حادثة في مدينة "سمرقند" العظيمة بآسيا الوسطى، لم ولن ينسى التاريخ تفاصيلها التي تُدرس كأسمى آيات العدل البشري. تبدأ القصة حين قرر القائد العسكري العظيم "قتيبة بن مسلم الباهلي" أن يفتح سمرقند، وكانت مدينة منيعة جداً وتجارتها واسعة وأهلها أشداء. خشي قتيبة من حصار طويل يستنزف دماء جنوده، فقرر استخدام عنصر المفاجأة، فهاجم المدينة ودخلها بغتة وسيطر على مفاصلها قبل أن يستعد أهلها للقتال.

استيقظ أهل سمرقند ليجدوا جيش المسلمين في طرقاتهم، وبالرغم من أن المسلمين لم يظلموا أحداً ولم ينهبوا مالاً، إلا أن كهنة المدينة وكبارها شعروا بغصة؛ فقد عرفوا من تجارهم أن للمسلمين "قانوناً" في الحرب لا يخالفونه، وهو تخيير أهل البلاد بين ثلاث: (الإسلام، أو الجزية وبقاءهم على دينهم، أو القتال بعد إنذار صريح مدته ثلاثة أيام). وكان قتيبة قد تجاوز مرحلة "الإنذار" طمعاً في النصر السريع.

قرر الكهنة إرسال وفد إلى عاصمة الخلافة "دمشق" ليقابلوا الرجل الذي سمعوا عن عدله العجيب، وهو الخليفة عمر بن عبد العزيز. حين وصل الوفد، ذهبوا إلى المسجد يسألون عن قصر الخليفة، فدلوهم على بيت طيني بسيط. صدموا حين رأوا أمير المؤمنين يلبس ثياباً مرقعة ويصلح جداراً بيده، فظنوا أنهم أخطأوا الطريق، لكن حين تأكدوا عرضوا مظلمتهم: "إن قائدك قتيبة دخل بلادنا غدراً دون إنذار". لم يغضب الخليفة ولم يدافع عن قائده المنتصر، بل كتب ورقة صغيرة جداً وختمها، وقال للوفد: "أعطوا هذه لعاملي في سمرقند".

سخر الوفد في طريق العودة، وقالوا: "ماذا تفعل ورقة صغيرة لجيش يملك السيوف والخيول؟". لكنهم سلموا الورقة لعامل سمرقند، فما إن قرأها حتى ارتجفت يده، فقد كان فيها أمر صريح: "نصّب قاضياً ينظر في دعوى أهل سمرقند". تم تعيين القاضي "جميع بن حاضر"، وهو شيخ وقور لا يخشى في الله لومة لائم. عُقدت المحكمة في المسجد، ووقف قتيبة بن مسلم، فاتح الشرق العظيم، كمتهم عادي أمام القاضي.

سأل القاضي قتيبة: "يا قتيبة، هل دعوتهم للإسلام أو الجزية أو أنذرتهم قبل القتال؟" فأجاب القائد بصدق: "لا يا قاضي المسلمين، إن الحرب خدعة، وخشينا أن يطول الحصار وتضيع الأرواح". فقال القاضي بلهجة حازمة: "يا قتيبة، ما خرجنا فاتحين للأرض، بل خرجنا هداة للناس. والله إن الحق أحق أن يُتبع. حكمتُ بخروج جيش المسلمين كافة من سمرقند، وإعادة المدينة لأهلها كما كانت، ثم إنذارهم من جديد ليكون لهم حق الاختيار!".

هنا ساد صمت رهيب، وبدأ الجيش العظيم ينسحب فعلياً، ويترك الحصون والبيوت ويرحل إلى المعسكرات خارج المدينة. حين رأى أهل سمرقند هذا المشهد، بكى الكبار والصغار؛ فأي عدل هذا الذي يجعل حاكماً يحكم على جيشه بالخروج من أرض ملكها؟! وأي دين هذا الذي يقدم الحق على القوة؟! في تلك اللحظة، خرج أهل المدينة يلحقون بالمسلمين ويهتفون بالشهادتين، ودخلت سمرقند في الإسلام طواعية بفضل "ورقة عدل" واحدة، لتظل حتى اليوم جوهرة بلاد ما وراء النهر.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
MohamedAhmed Nasr تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

0

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.