"والله ما لكِ من مَنزل".. حين تُخجل شهامة "خصم" كبرياء الصمت
"والله ما لكِ من مَنزل".. حين تُخجل شهامة "خصم" كبرياء الصمت
في زحام حياتنا المادية، ننسى أحياناً أن "المروءة" كانت يوماً ما هي العملة الأغلى. لفت انتباهي وأنا أتأمل في قصص السيرة النبوية موقف ليس مجرد حكاية تاريخية، بل هو درس في الرقي الأخلاقي الذي قد نفتقده في عصرنا الحالي.
مشهد الفراق.. ألم لا يوصف

تبدأ الحكاية بامرأة وحيدة، هي أم سلمة، التي واجهت ما لا تطيقه الجبال؛ حيث انتُزع منها زوجها، ثم خُطف منها طفلها، وتُركت وحيدة في مكة عاماً كاملاً تبكي حتى رقّت لها القلوب. وبمجرد أن استعادت طفلها، اتخذت قراراً "انتحارياً" بمعايير ذلك الزمان: أن تهاجر من مكة إلى المدينة (450 كم) وحدها في صحراء لا ترحم.
اللقاء الذي لم يكن مرتباً له
بينما كانت خيوط الشمس تداعب رمال "التنعيم" الملتهبة، كانت أم سلمة تخوض صراعاً صامتاً مع الخوف والوحدة. لم يكن معها من زاد سوى إيمان عميق بيقين الوصول، وطفل صغير يمثل لها العالم أجمع. في تلك اللحظة الحرجة، حيث الصمت لا يقطعه إلا حفيف الرمال، ظهر من بعيد شبح رجل يمتطي صهوة الشهامة قبل أن يمتطي فرسه؛ إنه عثمان بن طلحة.
لم يكن عثمان حينها قد دخل في الإسلام بعد، بل كان رجلاً يتشبع بأعراف قريش وتقاليدها التي تأنف الضيم. توقف عثمان مذهولاً من المشهد؛ امرأة من أشراف العرب، ابنة "زاد الركب" الذي عُرف بكرمه الأسطوري، تسير وحيدة في فلاة تبتلع الجيوش! لم تكن المسألة بالنسبة له مسألة سياسة أو صراع عقائدي، بل كانت اختباراً صارخاً لرجولته ونخوته التي ورثها كابراً عن كابر.
سألها بنبرة امتزج فيها الاستنكار بالشفقة: “إلى أين يا ابنة أبي أمية؟”
أجابته بصوت أرهقه التعب لكنه لم يكسر كبرياءها: "أريد زوجي بالمدينة".
هنا، اتسعت حدقتا عثمان دهشة، وسألها السؤال الذي كان يخشى إجابته: "هل معكِ أحد؟".
فنطقت بكلمات هزت وجدانه: "لا والله، إلا الله وبنيّ هذا".
في تلك اللحظة، وقع عثمان بن طلحة في صراع داخلي لم يدم طويلاً. كان بإمكانه أن يتجاهلها ويمضي، وكان بإمكانه أن يعيدها قسراً إلى مكة ليرضي زعماء قريش، لكن "المروءة" كانت ديناً يسبق الأديان عند أحرار العرب. نظر عثمان إلى الأفق الممتد بين مكة والمدينة، تلك المسافة التي تزيد عن 450 كيلومتراً من العطش والسباع والمجهول، وقال في نفسه: كيف يُقال في نوادي مكة أن ابنة أبي أمية ضاعت في الصحراء وعثمان بن طلحة حيّ يرزق؟
انتفضت فيه عزة النفس، ونطق بكلمته التي سطرها التاريخ بمداد من نور: "والله ما لكِ من مَنزل". لم تكن هذه مجرد جملة عابرة، بل كانت عهداً قطعته الرجولة على نفسها بأن تكون الدرع والحارس. تقدم عثمان بصمت المهيب، وأمسك بزمام الناقة، وفي تلك اللحظة تحولت الرحلة من "هروب" خائف إلى "مسيرة" محفوفة بالهيبة.
تخيلوا هذا المشهد السريالي: رجل مشرك يقود امرأة مسلمة مهاجرة لعدوه، ليس طمعاً في مال، ولا خوفاً من سلطة، بل استجابة لنداء داخلي يخبره أن حماية الضعيف هي أسمى آيات القوة. كان عثمان يدرك أن رحلته هذه تعني قطع المسافة ذهاباً وإياباً، أي ما يقارب 900 كيلومتر من العناء المحض، ومع ذلك لم يتردد لحظة واحدة. كانت كل خطوة يخطوها عثمان بجانب ناقة أم سلمة هي صفعة في وجه القسوة التي عاملها بها قومها، ورسالة صامتة بأن الأخلاق لا تتجزأ، وأن النخوة لا تحتاج إلى هوية لتظهر، بل تحتاج فقط إلى قلب "حر".
دروس في "أدب المسافة"
لم تكن رحلته معها مجرد "توصيلة"، بل كانت نموذجاً في العفة والرقي؛ فكان إذا أرادوا الاستراحة يُنيخ الناقة ويبتعد عنها تماماً حتى تنزل، فإذا حان وقت الرحيل جهّز لها الركوبة وابتعد وناداها لتركب، ثم يأخذ بزمام الناقة ويمضي. فعل ذلك لأيام طويلة حتى أوصلها لمشارف المدينة، ثم استدار وعاد لمكة وحده، دون أن يطلب مالاً أو ثناءً.
تأملات في روح الموقف
وهنا نقف طويلاً أمام هذا النبل، لنتساءل بصدق: أين اختفت هذه النخوة في زمننا الذي صار فيه البعض يصور الحوادث بهاتفه بدلاً من مد يد العون؟ وكيف استطاع رجل "مشرك" في ذلك الوقت أن يعطينا درساً بأن المعدن الأصيل يظهر في المواقف الصعبة بغض النظر عن الانتماء؟ إنها دعوة لنراجع أنفسنا: هل ما زلنا نحفظ "أدب المسافة" ونحترم خصوصية الغريب كما فعل عثمان؟ وهل يمكن لشهامتنا أن تتجاوز خلافاتنا الشخصية لننصر من يحتاجنا؟
كلمة أخيرة
قصة أم سلمة وعثمان بن طلحة هي صرخة في وجه كل من يتخلى عن مروءته تحت ذريعة "أنا مالي". فالشهامة لا تحتاج إلى تفسير، بل تحتاج إلى إنسان يقدر معنى الكرامة، ولعلنا اليوم أحوج ما نكون لاستعادة تلك القيم التي تجعل من المجتمع بنياناً مرصوصاً يشد بعضه بعضاً.