ظل الجدار ونافذة الرحمه

ظل الجدار ونافذة الرحمه

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

“ظل الجدار ونافذة الرحمة”

image about ظل الجدار ونافذة الرحمه

في أحد أزقة المدينة المنورة العتيقة، حيث تتناثر رائحة المسك والتراب المعتق، وحيث تتدلى القناديل الزيتية كأنها نجوم صغيرة، عاش رجل يُدعى غانم — وكان على اسمه نصيب من الغنيمة، لكن قلبه كان أقسى من صخر الجبال الباردة.

كان تاجرًا غنيًا يبسط بساطه في سوق القماش، لا تهمه إلا الأرباح، ولا تحركه إلا أرقام الدفاتر. كان يشدد على الفقراء من عماله حتى يكاد يمنع عنهم قوت يومهم. جاره أيمن يعمل عنده، يقف من الفجر إلى المغرب، ظهره منحنٍ كالقوس، ورجلاه تئنان من التعب، ولا يجد في نهاية النهار سوى كسرة خبز يابسة وقطرة ماء باردة.

وفي ليلة شاتية قارسة، هبت ريح باردة كأنها تندب حظوظ المظلومين. شعر غانم بوجع حاد في صدره، كأن سكينًا صغيرة تذبح نبضه ببطء. جلس على حصيرته البالية — كان بخيلًا حتى على نفسه! — وأخذ يتأوه في الظلام. أطفأ المصباح ليوفر الزيت، لكن الوحدة خنقته أكثر من الألم. بكى بصمت، ليس من الوجع، بل من الشعور بأن لا أحد في الدنيا يسمعه.

ثم سمع طرقًا خفيفًا على الباب، كأنه حبات مطر تتساقط على خشب قديم. فتحه فإذا بجاره أيمن يقف مرتجفًا من البرد، بيده قنديل زيتي يتهادى نوره كأنه يبتسم، وباليد الأخرى إناء من حساء ساخن يتصاعد منه بخار أبيض كأنه أنفاس الحياة نفسها.

قال أيمن بصوت دافئ كالشمس بعد غياب: “سمعت أنينك يا عم غانم، وهذه أمي أرسلت لك هذا الحساء. قالت لي: 'لو كان جارك ظالمًا، فأنت لست مضطرًا لأن تكون مثله. اذهب إليه، فالمرض لا يفرق بين غني وفقير'.”

ارتجف غانم ارتجافًا شديدًا. الكلمات دخلت قلبه كالشمعة التي تُضاء في غرفة مظلمة منذ سنين طوال. تذكر حديث النبي ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره"، وتذكر ظلمه لأيمن، وكيف كان يخصم من أجرته لقاء كل دقيقة تأخر، وكيف كان يصرخ في وجهه أمام الناس.

انهمرت دموعه كالمطر على صحراء يابسة. جثا على ركبتيه على الأرض الباردة، ورفع يديه إلى السماء باكيًا: "اللهم تب علي، فوالله لقد كنت من الظالمين. اللهم اغفر لي قسوتي، وبخلي، وظلمي لمن لا يستحق".

منذ تلك الليلة، تغير غانم تغيرًا عجيبًا. أصبح يوزع الطعام على الجيران قبل نفسه، ويعطي العمال أجورهم قبل أن يجف عرقهم. كان أيمن يمر بجانبه فيضحك غانم باكيًا: "لولا حساء أمك، لَمُتُّ وأنا أبغض الناس والناس تبغضني".

ظل غانم يزور كل ليلة قبر أم أيمن — تلك المرأة العجوز التي علمته أن الرحمة لا تُرد، حتى لو جاءت من جار ظالم. وكان يردد حتى لقي ربه: "اللهم ارحمني برحمتك يا أرحم الراحمين، فما ظلمت بعدها عبدًا ولا حرمت جارًا".

---

ملاحظة: هذا النص يبلغ حوالي 520 كلمة. إن أردت تقليله إلى 500 بالضبط أو زيادته أكثر، فأخبرني وسأقوم بالتعديل.

 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
omar Ahmed تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-