حليمة السعدية والبركة التي رافقت طفولة النبي
بركة الرسول على مرضعته
مقدمة
قصة حليمة السعدية مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم واحدة من أجمل قصص البركة والنشأة في بيئة صحية، التي تظهر مدى حكمة العرب القدماء في تربية الأطفال والحرص على صحتهم ونموهم اللغوي والجسدي. هذه القصة توضح كيف يمكن للبركة أن ترافق الطفل منذ نعومة أظافره وكيف تؤثر البيئة التي ينشأ فيها على قوته وحيويته
اختيار المرضعة
كانت عادة أهل المدن في العرب قديماً أن يرضعوا أولادهم من نساء البادية ابتعاداً عن أمراض المدينة ولتقوية أجسامهم ولتمكنهم من اللغة العربية في المهد. أخذ عبد المطلب يبحث عن مرضعة لحفيده فاختار له حليمة السعدية. وقد رأت حليمة كل الخير والبركة منذ أن أخذت النبي صلى الله عليه وسلم لإرضاعه وكانت تمر بسنة صعبة بسبب القحط، فكان لها شاة لم تكن تحلب منها قطرة من اللبن، ولم تكن هي وزوجها ينامان من شدة صراخ رضيعهما من الجوع، وما من حليب في ثديها وما من حليب من شاتها يسد جوعه
رحلة البحث عن الرضعاء
خرجت حليمة يوماً على حمارها وأخذت معها شاتها وصارت إلى مكة تلتمس الرضعاء علها تكسب أجراً يساعدها في أزمتها. وعندما وصلت هي وزوجها إلى مكة أخذت تبحث عن رضيع، وفي ذلك الوقت حين كان يعرض النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة من البادية لإرضاعه كانت ترفضه لأنهم كانوا يلتمسون أجراً من الأب وهو كان يتيماً، فيقولون "وما عسى أن تصنع أمه وجده". حتى أخذ كل نساء البادية رضيعا لإرضاعه إلا حليمة، وحين كانت على وشك العودة للبادية مع زوجها كرهت أن تعود دون رضيع كباقي صاحباتها وأخبرت زوجها أنها ستعود لتأخذ ذلك الرضيع اليتيم، فوافقها قائلا "عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة"
بداية البركة
فعلاً عادت حليمة وأخذت النبي صلى الله عليه وسلم، وسبحان الله فور أن عادت إلى رحلها ووضعته على حجرها امتلأ ثديها باللبن فشرب النبي صلى الله عليه وسلم حتى ارتوى، ثم شرب ابنها حتى ارتوى، ثم ناما معاً. وفجأة حين قام زوجها لحلب شاتهما وجدها ممتلئة باللبن، فحلب منها ما يشربان منه وشربا حتى شبعا وباتا تلك الليلة مطمئنين ومرتاحين بعد أن كانا لا ينامان من شدة بكاء طفلهما من الجوع
حمارها النشيط
في الصباح خرجت على حمارها، وكان هذا الحمار سابقاً هزيلاً ضعيفاً وبطيئاً جداً بسبب القحط، ودائماً ما يتأخر عن بقية الركب أي باقي الجماعة المسافرة. لكن في صباح ذلك اليوم الذي كانت قد أخذت فيه النبي صلى الله عليه وسلم أصبح نشيطاً واستعاد قوته، وصار يسير بسرعة حتى أنه أصبح يسبق دواب الآخرين بدل أن يتأخر عنهم كالعادة، لدرجة أن كل من كانوا معها أصبحوا يطلبون منها التمهل بدل الإسراع كالسابق
غنمها والبركة المستمرة
حين كانت حليمة تأخذ غنمها لترعى بها، وقد كانت الأراضي وقتها كلها بوراً بسبب القحط، كانت تتركها هناك ترعى بمفردها، وكانت تعود لها ممتلئة باللبن، فتحلب وتشرب. ولم يكن أحد غيرها ممن كان معها يحلب قطرة واحدة من اللبن من غنمها، وحتى حين كانوا يسرحون غنمهم في نفس الأماكن التي سرحت فيها غنم حليمة، كانت غنمهم تذهب وتعود وهي على نفس الحال جياع لا يحلبون قطرة لبن
مدة الإقامة في البادية
ومضت سنتان، وحليمة لا ترى من قبل النبي سوى كل البركة والخير، حتى فطمته وحان موعد أن تعود به إلى أمه في مكة. لكنها لم تكن تريد تركه لما رأته من بركة على يديه. حين وصلت مكة، طلبت من آمنة أن يبقى عندها أكثر ليتربى في البادية بعيداً عن المرض ولتزداد قوة جسده ويشتد بدنه أكثر. وافقت آمنة لأن هذا كان لصالحه، فهوا البادية أنقى ونشأة الطفل هناك أصلح لجسده ولسانه ليثبت أكثر على الفصاحة العربية. فعادت حليمة بالنبي صلى الله عليه وسلم للبادية وبقي هناك حتى أتم أربع سنوات
خاتمة
قصة حليمة السعدية مع النبي صلى الله عليه وسلم تذكرنا بحكمة الأجيال السابقة في تربية الأطفال والحرص على صحتهم ونشأتهم الصحيحة، كما تبين كيف يمكن للبركة أن ترافق الإنسان منذ صغره. هذه القصة ليست مجرد حدث تاريخي، بل درس في الرعاية والحنان والاعتناء بالطفل في بيئة مناسبة لنموه البدني واللغوي، وتؤكد على أن البيئة الصحية والتربية الحكيمة يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً في حياة الإنسان منذ نعومة أظافره
