خطابُ الحروفِ التي لم تُنزَلْ لتُقرأ فقط… بل لتُذكِّرَكَ أن اللهَ لم ينسَكَ قط

خطابُ الحروفِ التي لم تُنزَلْ لتُقرأ فقط… بل لتُذكِّرَكَ أن اللهَ لم ينسَكَ قط
ليس أعجبَ في سورةِ مريم
أنها بدأت بحروفٍ لا يفهمها الناسُ جميعًا
بل الأعجبُ
أنها بدأت قبل ذكرِ الرحمة
بنداءِ السرِّ الذي يسبقُ الرحمةَ نفسها
﴿ كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا ﴾
وكأنَّ الحروفَ هنا
ليست افتتاحًا للسورة
بل مفتاحًا لما بعدها
فاللهُ لم يقل
هذه قصةُ رحمة
بل قال
﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾
أي أن الرحمةَ هنا
ليست شيئًا وقع وانتهى
بل شيئًا يُذكَر
والذِّكرُ لا يكونُ إلا لما كان ثابتًا حاضرًا
لا يغيبُ عن صاحبه
ولهذا
كان أوّلُ ما يفتحه اللهُ في سورةِ مريم
ليس بابَ الأحكام
ولا بابَ العقائد
بل بابَ التذكيرِ بأن الرحمنَ يذكرك
وهنا يبدأ السرُّ المخيفُ في التأويل
لأن الله قال
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
فإن كان العبدُ يذكرُ اللهَ بلسانه
فالرحمنُ يذكرُ العبدَ برحمته
وإن كان ذِكرُ العبدِ لله
عبادةً
فذِكرُ اللهِ للعبد
نجاةٌ واصطفاءٌ وإحياءٌ بعد اندثار
ولهذا جاءت
﴿ كهيعص ﴾
قبل
﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾
وكأن الحروفَ نفسها
إشارةٌ إلى أن ما سيأتي
ليس كلامًا عاديًا
بل نداءٌ خرج من الغيب
ليقول لعبدٍ ظنَّ أن العمرَ انتهى:
أنا ما زلتُ أذكرك
تأمل
أن زكريا عليه السلام
لم يكن يطلبُ مالًا
ولا جاهًا
بل كان يخافُ انقطاعَ النور
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي ﴾
أي أنه لم يكن خائفًا على الدنيا
بل على استمرارِ الذكرِ بعده
فجاءه الردُّ
لا بولدٍ فقط
بل بذِكرٍ خالد
﴿ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ ﴾
وكأنَّ من يذكرُ اللهَ بصدق
يصبحُ هو نفسه مذكورًا في السماء
وهنا تنكشفُ زاويةٌ مهيبةٌ جدًا
أن السورةَ كلَّها
مبنيةٌ على معنى الذِّكر بعد الفناء الظاهري
زكريا
جسدٌ هَرِم
لكن الذكرَ لم يهرم
مريم
امرأةٌ وحدها
لكن الذكرَ أحاطها
عيسى
يأتي بلا أب
لأن الذكرَ الإلهيَّ لا يحتاجُ للأسباب المعتادة
إبراهيم
يتركُ قومه
فيجعله اللهُ ذكرًا خالدًا
وكلُّ السورة
تدورُ حول معنى واحدٍ خفيّ:
إذا ذكرك الرحمن
سقطت قوانينُ الاستبعادِ كلها
ولهذا كانت
﴿ كهيعص ﴾
في مطلع السورة
كأنها مفاتيحُ الخزائنِ المغلقةِ بين العبدِ وربه
حتى إن ترتيبَ الأحداثِ بعدها
يكشفُ أن الرحمةَ ليست دائمًا إعطاءً مباشرًا
بل أحيانًا
أن يذكرك اللهُ وأنت منسيٌّ عند الناس
أن يراك وأنت مختبئٌ خلف ضعفك
أن يسمعَ نداءك الخافتَ الذي لم يسمعه أحد
ولهذا قال عن زكريا
﴿ إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ﴾
لأن العلاقةَ الحقيقيةَ مع الرحمن
لا تحتاجُ صراخًا
فالذي يذكرك
يسمعُ همسك
وهنا يذوبُ القلبُ فعلًا
لأن أكثرَ الناسِ يظنون
أن الذكرَ هو أن تذكرَ الله فقط
لكن الحقيقةَ الأعظم
هي:
هل ذَكَرَكَ الله؟
فإن ذكرك
فتح لك أبوابًا لا تفتحُ بالمفاتيح
وألقى محبتك في القلوب بلا سبب
وحفظك من السقوط وأنت تظن أنك وحدك
وأرسل لك من رحمته ما لا يشبهُ حسابات البشر
ولهذا كان أخطرُ ما في السورة
أنها بدأت بحروفٍ تبدو مجهولة
ثم تحولت إلى أعظمِ كشفٍ لمعنى الرحمة
وكأن الرسالة تقول:
كما أنكم لا تفهمون سرَّ هذه الحروف
فلن تفهموا أيضًا
كيف يرحمُ اللهُ عبدًا ذكره
لأن الرحمةَ ليست دائمًا منطقية
بل ربانية
ولهذا لم تبدأ السورةُ باسمِ الجبّار
ولا المنتقم
ولا شديد العقاب
بل بدأت برحمةِ الربِّ لعبده
لأن أوّلَ ما يحتاجه العبدُ في طريق العودة
أن يعلمَ أن اللهَ لم يغلق الباب
وأن الذي قال
﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
لا يمكن أن ينسى من ذكره ولو مرةً بصدق
وهنا يظهر سرٌّ آخر
أن كلمة
﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾
لم تأتِ:
رحمةُ ربك لعبده زكريا
بل
﴿ ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ ﴾
وكأنَّ الذكرَ نفسه
صار صورةً من صور الرحمة
فأعظمُ رحمةٍ
أن يذكرك الله
وأعظمُ قسوةٍ
أن تُترك لنفسك
ولهذا كان أهلُ الله
لا يسألون أولًا:
ماذا أعطانا الله؟
بل يسألون:
هل نحنُ في ذِكره؟
لأن من كان في ذِكرِ الرحمن
كان في عينِ الرحمة
وإن ضاقت به الدنيا كلها
ومن خرج من ذكرِ الرحمن
اتسعت له الدنيا
لكنه ضاع فيها
ولعلَّ هذا
هو السرُّ الذي يجعل سورةَ مريم
من أكثر السورِ سكينةً على القلوب
لأنها لا تحكي فقط قصصَ الأنبياء
بل تهمسُ لكلِّ منكسرٍ:
إن كنتَ تظنُّ أن نهايتك اقتربت
فتذكّر زكريا
وإن كنتَ تظنُّ أن الناسَ تركوك
فتذكّر مريم
وإن كنتَ تظنُّ أن الأسبابَ انتهت
فتذكّر عيسى
وإن كنتَ تظنُّ أن الطريقَ مستحيل
فتذكّر أن الرحمن
إذا ذكرك
خلق لك من المستحيل بابًا
ولهذا
فربما كانت
﴿ كهيعص ﴾
ليست حروفًا تُحلُّ فقط
بل أبوابًا تُفتح
يفتحها الرحمن
لمن دخل عليه بقلبٍ يريدُ أن يُذكَر
لا أن يُرى