خطابُ القلب ليسَ كلُّ اضطرابٍ في الطريقِ سقوطًا

خطابُ القلب ليسَ كلُّ اضطرابٍ في الطريقِ سقوطًا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات
image about خطابُ القلب ليسَ كلُّ اضطرابٍ في الطريقِ سقوطًا

 

﴿ الفُجوةُ التي ينامُ فيها أهلُ الله بين الموتِ والحياة ﴾

 

خطابُ القلب

● ليسَ كلُّ اضطرابٍ في الطريقِ سقوطًا

بل بعضُ التقلباتِ هي الطريقةُ التي يُعيدُ اللهُ بها تشكيلَ القلبِ ليتحمّلَ نورًا أكبرَ مما اعتادَ عليهِ من قبل

● ولهذا يمرُّ كثيرٌ من السالكينَ بأوقاتٍ لا يفهمونَ فيها أنفسَهم

يقتربونَ ثم يبتعدون

يشتعلونَ ثم يخفتون

يبكونَ بلا سبب

ويشعرونَ أحيانًا أن أرواحَهم خرجت من ترتيبِ العالمِ المعتاد

☜ فيظنُّونَ أن هذا ضعفٌ

بينما الحقيقةُ أن بعضَ الأرواحِ حين تُساقُ إلى الله

لا تُنقلُ انتقالًا هادئًا

بل تُقلبُ تقليبًا

● لأن الثباتَ الحقيقيَّ ليسَ جمودًا

والحياةَ ليست خطًّا مستقيمًا

والقربَ من الحيِّ سبحانهُ لا يمكنُ أن يكونَ حالةً ميكانيكيةً ثابتة

● ولهذا كانَ من أخطرِ الأوهامِ

أن يظنَّ الإنسانُ أن أهلَ المعرفةِ يعيشونَ دائمًا في صفاءِ شعوريٍّ متواصل

أو يقينٍ لا تهتزُّ معهُ الأحوال

أو حضورٍ لا يعقبهُ غياب

☜ بينما القرآنُ كشفَ سرًّا آخرَ تمامًا

﴿ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ﴾

● لم يقلْ ونثبّتُهم

بل نقلبُهم

● لأن القلبَ الذي لا يتقلبُ

لا يتطهّرُ من تعلّقهِ بنفسهِ

ولا يخرجُ من وهمِ امتلاكِ الحقيقة

ولا يعرفُ معنى الافتقارِ الكاملِ للحيِّ الذي لا يموت

● فأصحابُ الكهفِ

لم يكونوا مجردَ فتيةٍ هربوا بدينهم

بل كانوا نموذجًا متكررًا في كلِّ عصر

لفئةٍ يعبرُ اللهُ بها من ظاهرِ العالمِ إلى باطنِ الحقيقة

☜ ولهذا قال

﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾

● لأن الهدايةَ هنا ليست معلومةً

بل انتقالًا وجوديًّا كاملًا

تهتزُّ معهُ النفسُ

ويتبدلُ معهُ الإدراكُ

ويشعرُ الإنسانُ أنهُ بين عالمين

● ولهذا يمرُّ بعضُ السالكينَ بحالةٍ غريبة

كأنهم بين النومِ واليقظة

بين الموتِ والحياة

بين الحضورِ والغياب

بين الأرضِ والسماء

☜ حتى يصبحَ الزمنُ نفسُهُ غيرَ مفهومٍ داخلَ أرواحِهم

● فيخرجُ من بينهم من يقول

ما الذي يحدثُ لي تحديدًا عندما أقتربُ ثم أبتعد؟

والجوابُ

أن القلبَ حين يُجذبُ إلى الله

لا يسيرُ دائمًا بخطوةٍ ثابتة

بل يُقبضُ ويُبسط

ويُرفعُ ويُخفض

ويُذاقُ مرارةَ الغيابِ ليعرفَ قيمةَ الحضور

● ولهذا كان القبضُ والبسطُ

ليسَا مرضًا في الطريق

بل من أسرارِ التربيةِ في الطريق

☜ لأن القلبَ لو بقيَ في البسطِ دائمًا

لتوهّمَ أنهُ وصل

ولو بقيَ في القبضِ دائمًا

لانكسرَ وانطفأ

● فجاءَ التقليبُ

ليحفظَ التوازنَ بين الخوفِ والرجاءِ

بين الهيبةِ والأنس

بين الانكسارِ والنور

● ولهذا لم يكن كلبُ أصحابِ الكهفِ تفصيلًا هامشيًا

بل رمزًا عجيبًا للحراسةِ والوفاءِ والرحمة

﴿ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ﴾

☜ كأن الرحمةَ نفسَها

تفترشُ بابَ الفتنةِ لتحرسَ القلوبَ التي صدقتْ مع الله

● وكأن الإخلاصَ حين يكتملُ

يصيرُ حارسًا للعبدِ حتى في لحظاتِ غيابِه وضعفِه وتقلّبه

● ولهذا كانوا في الظاهرِ نيامًا

لكن الحقيقةَ أنهم لم يكونوا غائبينَ عن عينِ اللهِ طرفةَ عين

● بل كانوا تحتَ تدبيرٍ دقيق

وشمسُ الحقيقةِ تزورُهم

مرةً من اليمين

ومرةً من الشمال

☜ لأن التجلياتِ لا تأتي دائمًا في صورةِ النورِ الذي يحبّهُ الناس

● أحيانًا تأتي الحقيقةُ في صورةِ فقد

أو عزلة

أو فتور

أو انهيارِ صورةٍ قديمةٍ كنتَ تظنُّها أنت

● ولهذا ينهارُ كثيرٌ من السالكين

لأنهم أرادوا الطريقَ نورًا متصلًا بلا تقليب

☜ بينما اللهُ لم يعدْ أحدًا بذلك

● بل كشفَ أن أقربَ القلوبِ إليه

هي أكثرُها عبورًا بين الأحوال

● لأن المعرفةَ ليست علمًا جامدًا

ولا كلماتٍ محفوظة

ولا يقينًا نظريًا باردًا

● بل أحوالٌ

وذوقٌ

وشهودٌ

وتقليبٌ

وقبضٌ

وبسطٌ

وعزٌّ

وذلٌّ

☜ حتى يُحصيَ العبدُ أسماءَ اللهِ بالأحوالِ لا بالحروفِ فقط

● فيعرفُ الرحيمَ حين يُجبرُه

ويعرفُ القابضَ حين يضيقُ صدرُه

ويعرفُ الباسطَ حين يعودُ إليه النورُ فجأة

ويعرفُ الحيَّ

حين يكتشفُ أن ما كان يسميه حياةً

لم يكن إلا نومًا طويلًا داخلَ وهمِ النفس

● ولهذا قال بعضُ العارفين

إن أكثرَ الناسِ أمواتٌ

وإن أهلَ اللهِ وحدهم يبدأونَ الحياةَ حين يذوقونَ الموتَ الأولَ قبلَ موتِ الأجساد

☜ الموتُ عن الوهم

عن الصورة

عن الادعاء

عن الثباتِ الكاذب

● ولهذا كان أصحابُ الكهفِ

أحياءً وهم في هيئةِ الموتى

وكان أكثرُ الناسِ خارجَ الكهفِ

أمواتًا وهم يتحركونَ في الأسواق

● لأن الحياةَ ليست حركةَ الجسد

بل يقظةَ القلب

● ومن هنا تفهمُ لماذا قال اللهُ

﴿ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ﴾

☜ لأنها ليست وصفًا لهم وحدهم

بل قانونٌ روحيٌّ يتكررُ في كلِّ زمان

● هناكَ أرواحٌ نائمةٌ وعيونُها مفتوحة

وأرواحٌ مستيقظةٌ وإن كانتْ في عزلةٍ وصمت

● ولهذا لا تخفْ من تقلباتِ الطريقِ دائمًا

فبعضُ ما تظنهُ تأخرًا

يكونُ إعدادًا

وبعضُ ما تظنهُ غيابًا

يكونُ سترًا

وبعضُ ما تظنهُ موتًا

يكونُ بدايةَ حياةٍ أخرى لم تعرفها من قبل

☜ لأن اللهَ إذا أرادَ عبدًا لنفسهِ

أخرجهُ من ثباتِ الوهم

إلى تقلباتِ الحقيقة

● حتى إذا انكسرتْ كلُّ الصور

ولم يبقَ إلا وجهُهُ سبحانه

أدركَ العبدُ أخيرًا

أن الطريقَ لم يكنْ لإيصالِه إلى معلومة

بل لإيقاظِه من النومِ الذي كان يسميهِ حياة   

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Elrayq تقييم 5 من 5.
المقالات

4

متابعهم

4

متابعهم

32

مقالات مشابة
-