أنا عندَ ظنِّ عبدي بي… لماذا يتغيَّرُ كلُّ شيءٍ عندما يصدقُ حضورُ الله

أنا عندَ ظنِّ عبدي بي… لماذا يتغيَّرُ كلُّ شيءٍ عندما يصدقُ حضورُ الله

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about أنا عندَ ظنِّ عبدي بي… لماذا يتغيَّرُ كلُّ شيءٍ عندما يصدقُ حضورُ الله

 

خرائطُ الوحي

 

أنا عندَ ظنِّ عبدي بي… لماذا يتغيَّرُ كلُّ شيءٍ عندما يصدقُ حضورُ الله

 

﴿ أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ﴾

من أكثرِ المعاني التي تُزلزلُ القلب

أن اللهَ لم يقل:

أنا عندَ عملِ عبدي

ولا:

أنا عندَ قوةِ عبدي

ولا:

أنا عندَ استحقاقِ عبدي

بل قال:

﴿ أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ﴾

وكأن هناك سرًّا عظيمًا

أن القلبَ لا يعيشُ فقط بما يحدثُ له

بل بما يراهُ عن الله

فيما يحدثُ له

ولهذا

قد يمرُّ اثنانِ بنفسِ البلاء

فينكسرُ أحدُهما

ويخرجُ الآخرُ أقربَ إلى الله

ليس لأن الألمَ اختلف

بل لأن صورةَ اللهِ في القلبِ اختلفت

فالأولُ ظنَّ أن اللهَ تركه

والثاني ظنَّ أن اللهَ يربيه

الأولُ ظنَّ أن التأخيرَ إهمال

والثاني ظنَّ أن التأخيرَ إعداد

الأولُ رأى البابَ مغلقًا

والثاني رأى يدًا تقول:

ليس الآن

ولهذا

لم يكنْ حسنُ الظنِّ بالله

تفاؤلًا نفسيًا

ولا خداعًا للمشاعر

بل كان معرفة

معرفةً بالله

لأن الذي عرفَ الله

لا يظنُّ بهِ إلا ما يليقُ به

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

ولهذا

أحيانًا

لا يكونُ أكثرُ ما يتعبُ الإنسان

هو البلاء

بل التأويلُ الذي يصنعُهُ عن اللهِ أثناء البلاء

كم من قلبٍ انهار

ليس لأنهُ تألّم

بل لأنهُ ظنَّ أن اللهَ لم يعدْ معه

وكم من قلبٍ عاشَ أشياءَ ثقيلة

لكنهُ بقيَ مطمئنًا

لأنهُ كان يشعرُ أن اللهَ يدبّر

وهنا يظهرُ سرٌّ عجيب

أن الشيطانَ لا يبدأُ دائمًا بالمعصية

بل يبدأُ بتشويهِ صورةِ اللهِ داخل القلب

يجعلكَ تشعرُ أن اللهَ بعيد

أنك وحدكَ

أن الدعاءَ لا يصل

أن الذنبَ أغلقَ كلَّ باب

أن التأخيرَ رفض

أن السقوطَ نهاية

حتى إذا امتلأَ القلبُ بهذا

تعب

ولذلك

كان أولُ ما يرممُهُ الوحي

ليس الظروف

بل نظرتكَ إلى الله

﴿ رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ ۖ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ ﴾

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾

وكأن القرآنَ لا يكررُ هذا كثيرًا

لأننا ننساه

ولهذا

كلما ازدادَ حضورُ اللهِ في القلب

تغيّرَ الظن

وكلما تغيّرَ الظن

تغيّرتِ الرؤية

وكلما تغيّرتِ الرؤية

تغيّرَ الإحساسُ بالحياة

ليس لأن الدنيا تبدّلت

بل لأن اللهَ عادَ إلى مكانهِ الصحيح

داخل القلب

ولهذا

قد يقفُ عبدٌ في آخرِ الليل

لا يملكُ شيئًا

ولا يرى حلولًا

ولا يعرفُ كيف سيخرج

ثم يقولُ بهدوءٍ غريب:

يا رب…

أنا لا أفهمُ ما يحدث

لكنني أعرفُك

وهنا

تبدأُ المعجزة

لأن القلبَ حين يختارُ أن يظنَّ باللهِ ما يليقُ به

لا يكونُ قد تجاهلَ الواقع

بل يكونُ قد رأى فوقَ الواقع

﴿ أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ﴾

وكأن اللهَ يقولُ لك:

تعالَ إليَّ

كما تعرفُني

لا كما خوّفكَ كلُّ شيء

ليست هذه الكلمات حديثًا عن الأمنيات، ولا دعوةً إلى التفاؤل المجرد، وإنما هي نافذةٌ يفتحها الله لعباده على معنى عظيم من معاني الإيمان؛ أن علاقتك بالله تحدد كثيرًا من طريقة رؤيتك للحياة، وأن ظنك بربك ليس فكرةً عابرةً في عقلك، بل يقينٌ يسكن قلبك، فينعكس على خطواتك، وصبرك، ودعائك، وانتظارك للفرج.

كثيرًا ما يمر الإنسان بلحظات تضيق فيها الأسباب، وتغلق فيها الأبواب، ويبدو المستقبل غامضًا لا يُرى فيه نور. في تلك اللحظات يظهر الفرق بين قلبٍ يرى الأحداث وحدها، وقلبٍ يرى الله فوق الأحداث. الأول يزداد خوفًا كلما تعقدت الأمور، أما الثاني فيزداد يقينًا بأن وراء كل قدر حكمة، وأن مع كل عسرٍ يسرًا، وأن الله لا يخذل عبدًا أحسن الظن به.

حين يصدق حضور الله في القلب، تتغير أشياء كثيرة. لا يعني ذلك أن المشكلات تختفي فجأة، أو أن الابتلاءات تنتهي، ولكن يتغير الإنسان نفسه. يصبح أكثر طمأنينة أمام المجهول، وأكثر ثباتًا أمام العواصف، لأنه يعلم أن له ربًا يدبر الأمر كله. فالمؤمن لا يستمد قوته من حجم إمكاناته، وإنما من عظمة من يتوكل عليه.

إن سوء الظن بالله يجعل الإنسان يرى الأبواب مغلقة قبل أن يطرقها، ويرى النهاية قبل أن تبدأ الرحلة، ويظن أن رحمة الله بعيدة عنه. أما حسن الظن بالله فيمنح القلب قدرةً عجيبة على الاستمرار، لأن صاحبه يعلم أن خزائن الله لا تنفد، وأن الفرج قد يأتي من حيث لا يحتسب، وأن الله إذا أراد شيئًا هيأ له أسبابه ولو بدت مستحيلة في نظر البشر.

تأمل حياة الأنبياء والصالحين، ستجد أن حسن ظنهم بالله كان نورًا في أحلك اللحظات. إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار لم يرَ النار وحدها، بل رأى رب النار. وموسى عليه السلام حين حوصر بين البحر والعدو قال بثقة المؤمن: ﴿ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾. ومحمد ﷺ في الغار قال لصاحبه: ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾. لم تكن الظروف مطمئنة، لكن حضور الله في قلوبهم كان أعظم من كل خوف.

وحين يوقن العبد أن الله عند ظنه به، فإنه يدعو بقلب حاضر، ويعمل وهو واثق أن جهده لن يضيع، ويتوب وهو مؤمن أن باب الرحمة مفتوح، ويصبر وهو يعلم أن الله يرى ويسمع ويعلم. عندها تتحول العبادة من عادة إلى حياة، ويتحول الدعاء من كلمات إلى يقين، ويتحول الانتظار من قلق إلى ثقة.

إن أجمل ما في حسن الظن بالله أنه لا يرتبط بواقعك الحالي، بل بربك سبحانه. فقد تكون الأبواب كلها مغلقة، لكن باب الله مفتوح. وقد تخذلك الأسباب كلها، لكن الله لا يخيب من رجاه. ولذلك كان المؤمن الحق يعيش بين العمل والأمل، وبين السعي والتوكل، وبين الأخذ بالأسباب والثقة بمسبب الأسباب.

فإذا ضاقت بك الدنيا يومًا، وتكاثرت عليك الهموم، فتذكر هذه الكلمات العظيمة: ﴿ أَنَا عِندَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ﴾. واجعل قلبك عامرًا باليقين، فإن الذي بيده ملكوت كل شيء قادر أن يبدل ضعفك قوة، وحزنك فرحًا، وضيقك سعة، وأن يجعل لك من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا.

#خرائط_الوحي

#الإحسان

#الحضور

#لغة_الروح

#د_كريم_عبد_الرازق  

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Elrayq تقييم 5 من 5.
المقالات

19

متابعهم

6

متابعهم

70

مقالات مشابة
-