وجهُ الله… ماذا يعني أن يصبحَ اللهُ هو الوجهة  ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

وجهُ الله… ماذا يعني أن يصبحَ اللهُ هو الوجهة ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات
image about وجهُ الله… ماذا يعني أن يصبحَ اللهُ هو الوجهة  ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

وجهُ الله… ماذا يعني أن يصبحَ اللهُ هو الوجهة

خرائطُ الوحي

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

من أعمقِ الأشياءِ التي يكتشفُها الإنسان

أنهُ لا يتعبُ دائمًا

لأن الأشياءَ ناقصة

بل لأنهُ يطلبُ منها

ما لم تُخلقْ لتعطيه

ولهذا

يُرهقُ الناسَ الحب

ويُرهقُهم النجاح

ويُرهقُهم الوصول

ويُرهقُهم الامتلاك

ليس لأن هذه الأشياءَ سيئة

بل لأن القلبَ كان ينتظرُ منها شيئًا لا تملكه

كان ينتظرُ منها البقاء

والطمأنينة

والاكتمال

وهذا لا يملكهُ إلا الله

ولهذا

كانت من أعجبِ الآيات:

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

وليس المقصودُ هنا

أن الأشياءَ لا قيمةَ لها

بل أن لا تجعلها النهاية

لا تجعلها بيتَ قلبك

لا تجعلها مركزَ رجائك

لا تجعلها الشيءَ الذي إذا ذهبَ

شعرتَ أن الحياةَ انتهت

لأن اللهَ يقولُ لك:

كلُّ ما تربطُ بهِ قلبكَ

سيمر

إلا أنا

كلُّ ما تعتمدُ عليهِ

سيتغير

إلا أنا

كلُّ ما تستندُ إليهِ

سيفنى

إلا أنا

ولهذا

كان الإنسانُ كلما تعلّقَ بشيءٍ أكثرَ من اللازم

خافَ أكثر

لأنهُ يعرفُ سرًّا لا يقوله

أنهُ يمكنُ أن يفقده

لكن الذي جعلَ اللهَ وجهتَه

يحب

لكن لا يعبد

يفرح

لكن لا يتعلّق

يأخذ

لكن لا يضيع

لأن قلبهُ لم يعدْ يسكنُ هنا

صار يمرُّ من الأشياء

إلى الله

وهنا

تفهمُ سرًّا عجيبًا

أن القرآنَ لا يأخذُ منك الدنيا

بل يُحرّرُكَ منها

حتى تستطيعَ أن تحبَّها كما ينبغي

لا كما تُؤذيكَ

ولهذا

قال الله:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾

ولم يقل:

افرّوا من الدنيا

لأن المشكلةَ لم تكنْ في الدنيا

بل في الوجهة

كم من إنسانٍ عاشَ بين النِّعَم

وقلبُهُ ضائع

وكم من إنسانٍ كان قليلَ الأشياء

لكن قلبُهُ ممتلئ

ما الفرق؟

الأولُ جعلَ النعمةَ نهاية

والثاني جعلها طريقًا

ولهذا

كلُّ تعبٍ طويل

وكلُّ توقٍ لا ينتهي

وكلُّ شعورٍ أنكَ لم تصلْ رغم كلِّ شيء

قد لا يكونُ نقصًا في حياتك

قد يكونُ تذكيرًا رحيمًا

أن روحكَ لم تُخلقْ لتقفَ هنا

﴿ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ • ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ ﴾

تأمل…

لم يقل:

ارجعي إلى النعيم

ولا:

إلى الراحة

ولا:

إلى ما تحبين

بل:

﴿ إِلَى رَبِّكِ ﴾

وكأن آخرَ ما تكتشفُهُ الروح

أن كلَّ ما كانت تبحثُ عنهُ في الأشياء

كان ظلًّا لشيءٍ واحد

الله

ولهذا

لا يهدأُ الإنسانُ حقًا

حين يجدُ كلَّ ما يحب

بل حين يجدُ

ما لا يفنى

﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾

وكأن اللهَ لا ينتزعُ من قلبكَ ما تحب

بل ينقذُكَ

من أن تجعلَ ما تحبُّ

بديلًا عنه

يمضي الإنسان في حياته باحثًا عن شيءٍ يطمئن إليه قلبه؛ يسعى خلف المال، أو المكانة، أو الحب، أو النجاح، ويظن في كل مرة أنه وصل إلى ما سيملأ روحه. لكن الأيام تكشف له أن كل شيءٍ في الدنيا قابلٌ للزوال، وأن ما يتعلّق به القلب اليوم قد يفقده غدًا. ولهذا تأتي الآية العظيمة: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ لتوقظ الإنسان من وهم البقاء، وتذكّره أن الحقيقة الوحيدة الثابتة هي الله.

حين يصبح الله هو الوجهة، تتغير نظرة الإنسان لكل شيء. فهو لا يعيش فقط من أجل الناس أو إعجابهم، ولا يجعل رضاه مرتبطًا بما يملكه أو يخسره، بل يصبح قلبه متجهًا إلى الله قبل كل شيء. ومعنى أن يكون الله هو الوجهة ليس أن يترك الإنسان الدنيا، بل أن يعيش فيها دون أن يجعلها أكبر همّه أو غاية روحه.

فالإنسان حين يجعل وجهته الناس، يتعب من محاولة إرضائهم؛ لأن رضاهم متقلب، وكلامهم لا ينتهي. وحين يجعل وجهته الدنيا فقط، يبقى خائفًا من الفقد والخسارة. أما عندما تصبح وجهته الله، يشعر بثباتٍ داخلي عجيب، لأنه يتعلّق بمن لا يزول ولا يتغير. ولهذا كان المؤمن الحقيقي أكثر هدوءًا، لأنه يعلم أن كل شيءٍ فانٍ إلا الله.

وفي قوله تعالى: ﴿ إِلَّا وَجْهَهُ معنى عميق يشير إلى بقاء الله وكماله، وأن كل ما في هذا العالم مؤقت مهما بدا قويًّا أو جميلًا. فالوجوه تتغير، والأعمار تمضي، والأشياء التي نحبها قد ترحل، لكن الله وحده الباقي. ولذلك فإن القلب لا يجد الأمان الكامل إلا حين يرتبط بالله، لأن كل تعلقٍ بغيره يحمل في داخله خوف الزوال.

كما أن جعل الله وجهةً للحياة يمنح الإنسان معنى أعمق لأعماله. فالصلاة لا تصبح عادة، بل لقاءً مع الله. والعمل لا يكون فقط من أجل الرزق، بل سعيًا يرضي الله. وحتى التعامل مع الناس يصبح أكثر رحمةً وصدقًا، لأن الإنسان يفعل الخير ابتغاء وجه الله، لا انتظارًا للمدح أو المكافأة.

وفي أوقات التعب والضياع، يكون الاتجاه إلى الله هو النجاة الحقيقية. فكم من إنسانٍ امتلك أشياء كثيرة لكنه بقي فارغ القلب، وكم من إنسانٍ بسيط عاش مطمئنًا لأنه وجد الله. فالقلب خُلق ليتعلق بخالقه، وكلما ابتعد عنه شعر بالتيه مهما امتلك من الدنيا.

وفي النهاية، فإن معنى أن يصبح الله هو الوجهة هو أن يدرك الإنسان أن كل الطرق تنتهي، وكل الأشياء تفنى، ولا يبقى إلا الله. وعندما يمتلئ القلب بهذا اليقين، يعيش الإنسان الدنيا بقلبٍ أخف، وروحٍ أكثر سلامًا، لأنه يعلم أن ما عند الله أبقى، وأن الوجهة الحقيقية التي لا تضيع أبدًا هي الله.

#خرائط_الوحي

#وجه_الله

#الإحسان

#لغة_الروح

#د_كريم_عبد_الرازق  

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Elrayq تقييم 5 من 5.
المقالات

19

متابعهم

6

متابعهم

70

مقالات مشابة
-