لماذا نخجل من الناس أكثر مما نخجل من الله؟

خرائط العبودية | بين العبادة والقلب
لماذا نخجل من الناس أكثر مما نخجل من الله؟
هناك كلمات إذا دخلت القلب لم تترك فيه شيئًا على حاله.
ومنها هذه الكلمة:
> "ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي؟! إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي،
وإن كنتم ترون أني أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟!"
تأملها ببطء.
حين يريد الإنسان أن يعصي...
ينظر حوله أولًا.
يتأكد أن الأبواب مغلقة.
والنوافذ محكمة.
والهواتف بعيدة.
والناس لا يرونه.
ثم يطمئن.
ويفعل ما يريد.
وكأن المشكلة لم تكن في الذنب نفسه.
بل في أن يراه أحد.
وهنا يبدأ السؤال المؤلم:
إذا كان وجود الناس يمنعك...
فلماذا لم يمنعك وجود الله؟
كيف صار نظر المخلوق أثقل على القلب من نظر الخالق؟
وكيف صار خوف الفضيحة بين الناس أكبر من خوف السقوط من عين الله؟
إن كثيرًا من الناس لا يتركون الذنب تعظيمًا لله.
بل يتركونه حفاظًا على الصورة.
ولو تبدلت الظروف...
واختفى الرقيب البشري...
لعادوا إليه مطمئنين.
ولهذا كانت الخلوات مرآة العبودية الحقيقية.
فالناس جميعًا يستطيعون رؤية وجهك.
أما الله فيرى وجهك وقلبك وسرك وما تخفيه عن نفسك.
يرى التردد قبل الفعل.
ويرى النية قبل الحركة.
ويرى الخاطر قبل الكلمة.
ويرى ما لا يراه أحد غيره.
ومع ذلك...
كم مرة كان حضور الناس في قلوبنا أقوى من حضور الله؟
ولهذا لم يكن الإحسان مجرد فضيلة زائدة في الدين.
بل كان كشفًا للمشكلة كلها.
أن تعبد الله كأنك تراه.
فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
لأن أصل الانحراف ليس دائمًا حب المعصية.
بل غياب الشهود.
غياب استحضار أن الله حاضر.
وأن عين الله لا تغيب.
وأنك لا تتحرك خارج ملكه لحظة واحدة.
العجيب أن الإنسان قد يستحي من طفل صغير يراه.
وقد يتوتر إذا التقط أحدهم له صورة.
وقد يغير سلوكه كله إذا شعر أن الناس يراقبونه.
ثم ينسى أن رب الناس كلها يراه.
وكأن الخلق صاروا أعظم حضورًا في القلب من الخالق.
وهنا يظهر معنى الجملة المزلزلة:
"فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم؟"
ليست القضية أن الله لا يعلم.
بل القضية أن العبد يتصرف أحيانًا وكأنه نسي أن الله يعلم.
ولهذا كان بعض السلف يقولون:
لا تنظر إلى صغر المعصية.
ولكن انظر إلى عظمة من عصيت.
فالذنب ليس مجرد مخالفة أمر.
بل لحظة غفلة عن صاحب الأمر.
ولحظة تقديم لنظر الخلق على نظر الحق.
ولحظة نسيان لمن لا يغيب.
وكلما ازداد يقين العبد بأن الله يراه...
قلَّ احتياجه إلى رقابة الناس.
وكلما امتلأ قلبه بحضور الله...
سقطت هيبة الخلق من قلبه.
فأعلى درجات العبودية ليست أن تخاف الناس فلا تعصي.
بل أن تستحي من الله ولو لم يرك أحد.
وأن تترك الذنب في الظلام نفسه الذي كنت ستفعله فيه.
لأنك أدركت أن الظلام يحجبك عن الخلق...
ولا يحجبك عن الله.
فإذا وجدت نفسك يومًا تغلق الأبواب قبل معصية...
فتذكر أن الباب الوحيد الذي لم يُغلق أبدًا...
هو باب نظر الله إليك.
وإذا وجدت نفسك تخشى انكشاف الذنب للناس...
فاسأل قلبك سؤالًا واحدًا:
لماذا كان انكشافه للخالق أهون عليَّ من انكشافه للمخلوق؟
ذلك السؤال وحده...
قد يرد القلب إلى الله من طريق طويل.
#خرائط_العبودية #بين_العبادة_والقلب #د_كريم_عبد_الرازق