الله ليس بظالم لعباده ولكن نحن من نظلم انفسنا

الله ليس بظالم لعباده ولكن نحن من نظلم انفسنا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

العدالة الإلهية ومسؤولية الإنسان: تأملات في قوله تعالى "إن الله لا يظلم الناس شيئًا"

في طيات القرآن الكريم، تبرز آياتٌ تُشكل دستورًا للأخلاق، وقاعدةً لفهم علاقة الخالق بالمخلوق. ومن أعمق هذه الآيات وأكثرها دلالةً قوله تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (سورة يونس: 44). هذه الآية ليست مجرد تقريرٍ عقدي، بل هي إعلانٌ صريحٌ عن طبيعة العدالة الإلهية، ودعوةٌ للإنسان ليتحمل مسؤولية اختياراته في هذه الحياة.

نزاهة العدالة الإلهية

إن مفهوم "العدل" في المنظور الإسلامي ليس مجرد قيمةٍ مجردة، بل هو صفةٌ ثابتةٌ للمولى عز وجل. فالله سبحانه، بجماله وكماله، متعالٍ عن الظلم؛ لأن الظلم نقصٌ، والنقصُ محالٌ على الخالق. عندما تؤكد الآية أن الله "لا يظلم الناس شيئًا"، فهي تضع حجر الأساس للطمأنينة في قلب الإنسان. فمهما اشتدت بك صروف الدهر، أو شعرت بضيق الحال، تيقن أن الله لم يظلمك، وأن كل ما يجري في الكون محكومٌ بميزان دقيق من الحكمة والعدل، حتى وإن غابت عن مداركنا المحدودة أسبابُ بعض الأقدار.

إن العدل الإلهي لا يعني بالضرورة غياب الألم أو الابتلاء، بل يعني أن كل شيءٍ وُضع في موضعه الصحيح لحكمةٍ أرادها الله، وأن الإنسان سيوفى حقه كاملًا، إن لم يكن في الدنيا، ففي عدالة الآخرة التي لا تخطئ.

الإنسان: صانعُ مآلاته

على الجانب الآخر، تضعنا الآية أمام حقيقةٍ صادمةٍ بقدر ما هي محفزة: "ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون". هنا، تُلقي الآية بالكرة في ملعب الإنسان. فنحن لا نظلم أنفسنا عندما نرتكب الذنوب فحسب، بل نظلمها عندما نختار طريق الضلال، أو نغفل عن مصالحنا الحقيقية، أو نُحكّم الهوى في قراراتنا المصيرية.

ظلمُ النفس يتجلى في صورٍ شتى:

التعلق بالزائل: الانشغال بالدنيا عن أهداف الروح السامية.

التفريط في القدرات: تعطيل الطاقات والمواهب التي وهبها الله للإنسان.

سوء الاختيار: اتباع الشهوات التي تؤدي إلى الهلاك النفسي والاجتماعي.

بمعنى آخر، كل ألمٍ أو ضنكٍ يشعر به الإنسان، غالبًا ما يكون نتيجةً طبيعيةً لتراكماتٍ من القرارات الخاطئة، أو الابتعاد عن الفطرة السوية. نحن نصنعُ واقعنا بمداد أفكارنا وأفعالنا.

نحو وعيٍ جديد

إن فهم هذه الآية يحررنا من "عقلية الضحية". بدلاً من توجيه أصابع الاتهام إلى الأقدار أو الآخرين عند وقوع المكروه، يدعونا القرآن إلى وقفة تأملية صادقة: "ماذا قدمتُ لنفسي؟". إنها دعوةٌ لامتلاك زمام المبادرة، وتحمل المسؤولية عن أفعالنا، وإعادة ترتيب أولوياتنا بما يوافق مرضاة الله ومصلحة النفس.

إن التحرر من "ظلم النفس" يبدأ بالإدراك؛ إدراك أنك المسؤول الأول عن سعادتك وشقائك. عندما تدرك أن الله لا يظلمك، تبدأ في البحث عن العيوب في مسارك، وتصحيحها بكل شجاعة.

ختامًا، إن هذه الآية هي ميزانُ التوازن النفسي؛ فهي تُشعرنا بحماية الله لنا من جهة، وتحملنا مسؤولية حياتنا من جهة أخرى. في عالمٍ مضطرب، يبقى هذا التوجيه الإلهي بوصلةً للإنسان، تذكره بأنه إذا أراد أن يرفع الظلم عن حياته، فليبدأ بإنصاف نفسه من نفسه.image about الله ليس بظالم لعباده ولكن نحن من نظلم انفسنا

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
AL-Qwanter تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-