قصة امرأة فرعون
قصة آسية امرأة فرعون
في قديم الزمان، حكم بني إسرائيل الذين عاشوا في مصر ملكٌ اسمه فرعون، وكان ملكًا بلغ من الظلم والطغيان مبلغًا عظيمًا. استخفّ بقومه فأطاعوه، وقسّم أهل مصر شيعًا، يستضعف طائفةً منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم، وهو يظن أنه لا يُسأل عما يفعل.
وفي إحدى الليالي رأى فرعون رؤيا أقلقت منامه، فجمع السحرة والكهنة، فقالوا له: سيولد في بني إسرائيل غلامٌ يذهب ملكك على يديه. فامتلأ قلبه خوفًا، وأصدر قرارًا ظالمًا يقضي بقتل كل مولود ذكر يُولد في مصر ذلك العام.
لكن مشيئة الله فوق كل تدبير. ففي تلك الفترة شاء الله تعالى أن يُولد موسى بن عمران، ولما ولدته أمه خافت عليه خوفًا شديدًا، فأوحى الله إليها وحي إلهامٍ وتثبيت: "أرضعيه، فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني، إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين". فامتثلت لأمر ربها، وجعلت وليدها في صندوق من خشب، وأطلقته في ماء النيل، وقلبها معلق برب السماء.
حمل ماء النهر الصندوق برفقٍ حتى وصل به إلى قصر فرعون. التقطه الخدم وأخذوه إلى امرأة فرعون آسية بنت مزاحم. وكانت امرأةً لم يرزقها الله ولدًا، وكان قلبها متعطشًا للحنان.
لما رأت آسية الطفل موسى أحبته حبًا شديدًا، وقع في قلبها موقعًا عجيبًا. نظرت إلى وجهه المشرق فوجدت فيه سكينةً ووقارًا لا يشبه الأطفال، فالتفتت إلى فرعون وقالت: "قرة عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدًا". فقبل فرعون، وكان ذلك من تدبير الله، ليتربى موسى في بيت عدوه، تحت رعاية امرأة كتب الله لها مقامًا عظيمًا.
بقي موسى في قصر فرعون مكرمًا معزوزًا حتى كبر واشتد عوده. وآتاه الله الحكمة والنبوة، فخرج من القصر داعيًا إلى الحق، يدعو إلى عبادة الله وحده وترك ظلم فرعون. وكانت آسية أول من استمع إليه، وأول من صدق بدعوته.
لما علم فرعون بإيمان امرأته اشتعل غضبه، فأمر جنوده بتعذيبها عذابًا شديدًا حتى ترتدّ عن دينها. ربطوها بالأوتاد، وتركوها تحت حر الشمس، وجلدوها بالسياط، وهي صابرة ثابتة لا تزيغ.
وكلما اشتد البلاء، علت همتها. لم تطلب من فرعون رحمة، ولم تلتفت إلى ملكه الزائل. بل رفعت يديها إلى السماء وقالت: "رب ابنِ لي عندك بيتًا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين". فاستجاب الله دعاءها، فكشف لها عن منزلها في الجنة قبل أن تخرج روحها، فضحكت وماتت قريرة العين، ثابتة على الحق.
وهكذا تمضي قصة آسية لتعلمنا أن الثبات على الحق لا يحتاج إلى قوةٍ مادية، بل يحتاج إلى يقينٍ يملأ القلب. وأن المرأة الضعيفة في قصر الطاغية، حين استمسكت بالله، كانت أقوى من ملكه وسلطانه. وأن وعد الله لا يتخلف، فمن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه.
