أولئك آبائي | سعد بن الربيع
أولئك آبائي | سعد بن الربيع

مقدمة :
"بإباءٍ يطاولُ النجوم، يلتفتُ الفرزدقُ نحو تاريخِ أجدادهِ مُشهراً سيفَ فخرِهِ في وجهِ جرير، قائلاً:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ"
أولئك آبائي | سعد بن الربيع
تمرّ بنا أسماءٌ في كتب السيرة كأنها نجومٌ في سماء صافية، نراها ونعجب بها، ثم تغيب عن ذاكرتنا بسرعة ما رأيناها. لكن ثمة أرواحاً من بين تلك الأرواح لا تعرف الغياب، لأنها صنعت في التاريخ فجواتٍ لا يسدّها إلا من يشبهها. سعد بن الربيع رضي الله عنه واحدٌ من هؤلاء. رجلٌ لو تأملت حياته ساعةً واحدة، لخرجت منها وأنت تسأل نفسك: هل أنا فعلاً مسلم بالمعنى الحقيقي لهذه الكلمة؟ لا أقول هذا للتقريع، بل أقوله لأن سعداً رضي الله عنه كان نموذجاً لإنسانٍ آمن بشيء، فجعل كل ما يملكه في خدمة ذلك الشيء، دون تردد ودون انتظار مقابل.
عندما يكون البيت كله لأخيه
لو سألنا أنفسنا اليوم: هل يمكن لشخص أن يُقاسم أخاه داره، وماله، وحتى زوجته إن كانت له أكثر من واحدة؟ ستجد الجواب صادماً. لكن هذا بالضبط ما فعله سعد بن الربيع رضي الله عنه حين آخى النبيّ ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. قال له سعد بكل صراحة ووضوح: "أنا أكثر الأنصار مالاً، فأقسم مالي بيني وبينك نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلّقها، حتى إذا حلّت تزوجتها". توقف قليلاً عند هذا المشهد. سعد لا يُعطي من فضلٍ، بل يُقاسم من صميم ما يملك. لا يُعطي ما يزيد، بل يُعطي نصف ما هو ضروري. هذا ليس كرماً عادياً، هذا ذوبانٌ كامل في معنى الأخوّة. وقد ردّ عليه عبد الرحمن بأخلاق الكبار: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دلّني على السوق"، ومضى يبني حياته بيديه. لكن الذي يستوقفنا هو سعد: رجلٌ عرض كل شيء، ولم يرَ في ذلك منّةً ولا فضلاً، بل رآه واجباً دفعه إليه إيمانه.
مواقف تُعيد تعريف الشجاعة
حين تقرأ عن يوم أحد، تقرأ عن هزيمة مرّت، ونصر عُلِّق، وتضحيات خُلِّدت. لكن في خضم تلك الأحداث المروّعة، كان سعد بن الربيع يمثّل نموذجاً لا يُنسى في معنى الثبات. لم يكن ممن فرّ حين فرّ بعضهم، ولم يكن ممن وضع سلاحه حين اشتبهت الأمور. ظلّ في أرض المعركة حتى سقط شهيداً، وفي جسده اثنا عشر جرحاً بين طعنة ورمية، كلها من الأمام. فكّر في هذه التفصيلة: جميع جراحاته من الأمام. هذا يعني أنه لم يُدر ظهره للعدو لحظةً واحدة. قاتل حتى آخر رمقٍ من رماق حياته، ثم أسلم روحه وهو على تلك الحال من الثبات والعزم. لكن الأروع من كل هذا ما جاء في اللحظات الأخيرة. بعثَ النبيّ ﷺ رجلاً يُدعى زيد بن ثابت يبحث عنه في أرض المعركة بين الجثث، فوجده ينزع نزعاً أخيراً. فما كان من سعد حين رآه إلا أن تكلّم، وقد أتى كلامه من روحٍ لا تُفارق مهمتها حتى في لحظة الموت.
وصيةٌ تُعلّم الدنيا معنى الانتماء
قال سعد رضي الله عنه في آخر كلماته: "أقرئ النبيّ ﷺ منّي السلام، وقل له: إن سعداً يقول لك: جزاك الله عنّا خير ما جزى نبيّاً عن أمّته". ثم أردف موصياً: "وأقرئ قومك منّي السلام، وقل لهم: إن سعداً يقول لكم: لا عذر لكم عند الله إن خُلص إلى نبيّكم ﷺ وفيكم عينٌ تطرف". توقف الآن. رجلٌ يحتضر، جراحه تنزف، والموت يعلو على وجهه، وكلمته الأخيرة ليست عن نفسه، وليست عن أهله، بل عن النبيّ ﷺ وعن حماية الأمة له. لم يُفكر في ألمه، ولم يطلب ماءً، ولم يودّع أحداً من ذويه، بل أوصى بمهمةٍ لم ينتهِ منها بعد، ثم فاضت روحه. هذا هو الانتماء الحقيقي: أن تحمل همّ ما آمنت به حتى في اللحظة التي تعجز فيها عن كل شيء.
ماذا يُعلّمنا سعد في زمننا هذا؟
نحن نعيش عصراً تتصارع فيه الهويات، وتتشكّك فيه الانتماءات، ويتساءل فيه الناس عن معنى أن تكون مسلماً فعلاً لا اسماً. وفي خضم هذا التساؤل، يأتي سعد بن الربيع ليقول لنا بسيرته لا بكلامه: المسلم الحقيقي هو من يجعل قيمه أكبر من مصالحه. هو من يُعطي من القليل قبل أن يُعطي من الكثير. هو من لا يُفرّق بين ما يقوله وما يفعله. هو من يموت على ما عاش من أجله. كم منّا اليوم يُرتّب أولوياته على هذا النحو؟ كم منّا حين يُؤذى لا يُفكر في الانتقام، بل في كيف يصون ما هو أكبر منه؟ كم منّا يُقاسم أخاه من صميم ما يملك لا من فضلاته؟ سعد لا يُدينك، لكنه يضع أمامك مرآةً صادقةً ترى فيها الفرق بين ما أنت عليه وما يمكن أن تكون عليه.
خاتمة: أولئك هم الآباء الحقيقيون
قديماً قال الشاعر: "وهل أنا إلا من غزيّةَ إن غوت غويتُ وإن ترشد غزيّةُ أرشدُ". ونحن حين نُردّد "أولئك آبائي"، فإننا لا نُقصد النسب الدموي، بل نُقصد النسب الروحي. سعد بن الربيع رضي الله عنه هو أبٌ روحيٌّ لكل من يحمل اسم هذا الدين. أبٌ علّمنا أن الكرم الحقيقي ليس ما تُعطيه وأنت مكتفٍ، بل ما تُعطيه وأنت في حاجةٍ إليه. وعلّمنا أن الشجاعة الحقيقية ليست في الضربة الأولى، بل في أن تبقى واقفاً حتى الضربة الأخيرة. وعلّمنا فوق كل هذا أن الروح التي تتشبث بمهمتها حتى في لحظة الموت، هي الروح التي لا تحتاج إلى نصبٍ تذكاري، لأنها نقشت نفسها في قلوب من جاءوا بعدها إلى يوم القيامة. رحمك الله يا سعد، وجزاك عنّا خير ما جزى صحابياً عن أمّة.
"أيُّ موقفٍ من مواقف سعد أثّر فيك أكثر؟ وأيُّ درسٍ تحتاجه اليوم في حياتك؟"
بقلم :
