قبلة على رأس طاغية تطلق سراح المسلمين قصة عبد الله ابن حذافة

قبلة على رأس طاغية تطلق سراح المسلمين قصة عبد الله ابن حذافة

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

قصة عبد الله بن حذافة السهمي مع ملك الروم

 

image about قبلة على رأس طاغية تطلق سراح المسلمين قصة عبد الله ابن حذافة

 

تمهيد

يا طلاب الجهاد، يا حملة راية الإسلام، اسمعوا هذه الملحمة الخالدة التي تفيض إيمانًا، وتُشعل في القلوب جذوة العزّة والثبات. إنها قصة الصحابي الجليل عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه، ذلك الرجل الذي هزّ عرش الروم بإيمانه، وأذلّ طاغيتها بثباته، وكان سببًا في فكاك أسرَى المسلمين. قصةٌ رواها كبار المؤرخين؛ رواها ابن عساكر وابن سعد وأبو نعيم والبيهقي، وذكرها ابن حجر في الإصابة، والذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن كثير في التفسير، وابن الأثير في أسد الغابة. فهي قصةٌ ثابتة الأصول، عظيمة المعاني، تصلح أن تكون نبراسًا لكل مجاهد يطلب العزّة في الدنيا والآخرة.

البطل ونسبه

عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، صحابي جليل من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، وهو أخو خُنيس بن حذافة زوج حفصة بنت عمر رضي الله عنها. حمّله رسول الله ﷺ كتابًا إلى كسرى ملك الفرس يدعوه إلى الإسلام، فكان سفيرًا للنبي ﷺ إلى أعظم ملوك الأرض. وهو من الذين نالوا شرف الصحبة، وعاشوا في رحاب النبوة، وتعلّموا من رسول الله ﷺ معاني الصبر والثبات والتضحية.

مشهد الأسر

في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وجّه جيشًا من المسلمين لقتال الروم. وكان عبد الله بن حذافة في طليعة ذلك الجيش، يحمل راية الإسلام عالية، ويمضي قدماً في سبيل الله. وفي خضم المعركة، وقع عبد الله وأصحابه في كمين من الروم، فأُسِرَ هو وعدد من المجاهدين. فلما علم ملك الروم — ذلك الطاغية المتجبّر — أن بين الأسرى صحابيًا من أصحاب رسول الله ﷺ، أمر بإحضاره إليه.

وقفة الإيمان أمام الطاغية

وقف عبد الله بن حذافة بين يدي ملك الروم، لا يعرف الخوف طريقًا إلى قلبه. نظر إليه الملك وقال: "تنصّر، وأُشركك في ملكي وسلطاني، وأجعلك من خاصتي".

فأجابه عبد الله بثبات الجبال، وبإيمان لا يزعزعه عرض الدنيا بأسرها: "لو أعطيتني جميع ما تملك، وجميع ما ملكته العرب، على أن أرجع عن دين محمد ﷺ طرفة عين، ما فعلت".

هذه هي عزّة الإيمان! هذا هو اليقين الذي يملأ القلب، فيجعل صاحبه يستصغر ملك الدنيا وما فيها أمام حبة خردل من إيمان. إنها نفسٌ تعلّمت من رسول الله ﷺ أن الدنيا عرضٌ حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر، وأن الآخرة وعدٌ صادق لا خلف فيه.

مشهد التعذيب الأول

غضب ملك الروم من هذا الردّ الصارم، فأمر بتعذيبه. ثم دعا بقدر عظيم من النحاس — يُقال لها "النقرة" — فصُبّ فيها الزيت حتى غلا واحترق. ثم أمر بإحضار رجل من أسرى المسلمين، فعرض عليه النصرانية فأبى، فألقاه في القدر المغلي، فإذا عظامه تلوح أمام عيني عبد الله.

ثم التفت الملك إلى عبد الله وقال: "تنصّر، وإلا ألقيتك في هذه النقرة".

فأجابه عبد الله بكل صمود: "ما أفعل".

الدموع التي هزّت الطاغية

فلما أمر الجنود بحمله لإلقائه في القدر، بكى عبد الله. فرآه بعضهم وقالوا: "قد جزع، قد بكى". فنظر إليه الملك وظنّ أنه خاف الموت، فأمر برده وقال: "ما أبكاك؟".

وهنا كان المشهد الذي هزّ ملك الروم من أعماقه. قال عبد الله بن حذافة تلك الكلمة التي خلّدها التاريخ:

"لا تظنّ أني بكيت جزعًا مما تريد أن تصنع بي، ولكن بكيت إذ ليس لي إلا نفس واحدة يُفعل بها هذا في سبيل الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في جسدي، ثم تُسلّط عليّ فتفعل بي هذا".

تأمّلوا يا عباد الله! هذا الصحابي الجليل يتمنّى لو كان له أنفس بعدد شعور جسده، كلها تُذبح وتُحرق في سبيل الله! هذه هي الروح التي تمنّت الموت في سبيل الله، فكيف يخافها الموت؟ إنه الشوق إلى لقاء الله، والعشق للشهادة في سبيله، الذي ملأ قلوب أولئك الرجال الأطهار.

دهشة الملك وعرضه

ازداد ملك الروم دهشة من هذا الإيمان العجيب، وأحبّ أن يُطلق سراحه. فقال له: "قبّل رأسي وأُطلقك".

فأجابه عبد الله بكل صلابة: "ما أفعل".

فقال الملك: "تنصّر وأُزوجك ابنتي وأُقاسمك ملكي".

فأجابه عبد الله: "ما أفعل".

إنه يرفض نصف ملك الروم، ويرفض الزواج من ابنته، ويرفض كل ما يُعرض عليه من متاع الدنيا، في سبيل الحفاظ على دينه. هذا هو الثمن الذي لا يُباع به الإيمان، وهذا هو الميزان الذي يزن به المؤمنون أمورهم.

القبلة التي فكّت الأسر

فلما رأى الملك إصراره، قال له: "قبّل رأسي وأُطلق معك ثمانين من المسلمين".

وهنا وقفةٌ عظيمةٌ في حياة عبد الله بن حذافة. إنه لم يكن يبحث عن خلاص نفسه، بل كان يبحث عن خلاص إخوانه. فلمّا علم أن في قبلة رأس هذا الطاغية خلاصًا لثمانين نفسًا مسلمة، قال: "أما هذه فنعم".

فتقدّم عبد الله بن حذافة، وقبّل رأس ملك الروم، لا خضوعًا ولا ذلًا، بل حكمةً وفداءً لإخوانه. فأطلقه الملك وأطلق معه ثمانين من أسرى المسلمين.

العودة إلى المدينة ومشهد عمر

ولما قدم عبد الله بن حذافة ومعهم الأسرى المفرَج عنهم إلى المدينة المنورة، وقصّ على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما حدث.

فما كان من عمر إلا أن قام إليه وقبّل رأسه أمام الملأ من الناس، وقال كلمته الخالدة:

"حقّ على كل مسلم أن يُقبّل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ".

فكان أوّل من قبّل رأسه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، إجلالًا لإيمانه، وتكريمًا لثباته، وتقديرًا لما فعله من أجل إخوانه المسلمين.

وكان أصحاب رسول الله ﷺ يمازحون عبد الله بعد ذلك فيقولون: "قبّلت رأس العلج" فيقول لهم: "أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين".

الدروس والعبر

يا أيها المجاهدون في سبيل الله، يا حملة راية الإسلام في كل زمان ومكان:

أولًا: عِزّة الإيمان:

 لقد علّمنا عبد الله بن حذافة أن الإيمان أغلى من ملك الدنيا بأسرها. لقد رفض نصف ملك الروم، ورفض الزواج من ابنته، ورفض كل عرض مغري، في سبيل الحفاظ على دينه. فما بال أقوام اليوم يبيعون دينهم بدراهم معدودة؟!

ثانيًا: الصبر على البلاء:

 لقد وقف عبد الله بن حذافة أمام القدر المغلي، ورأى بأم عينه زميله يُلقى فيه فتذوب عظامه، ومع ذلك لم يتردد لحظة في التمسك بدينه. هذا هو الصبر الذي يورث العزّة، وهذا هو الثبات الذي يخيف الأعداء.

ثالثًا: الإيثار وحبّ الخير لإخوانه:

 لم يكن عبد الله يبحث عن خلاص نفسه، بل كان قلبه معلقًا بإخوانه الأسرى. لقد تحمّل التعذيب والتهديد، ثم قبّل رأس الطاغية لا ذلًا، بل ليُنقذ ثمانين نفسًا مسلمة من الأسر. هذا هو الإيثار الذي مدحه الله في كتابه.

رابعًا: الحكمة في التعامل:

 لقد علّمنا عبد الله بن حذافة أن المؤمن القويّ لا يتعامل مع عدوه بعواطفه فقط، بل بالحكمة والتدبير. لقد قبّل رأس ملك الروم مع أن قلبه ممتلئ ببغضه، ولكنّه قدّم مصلحة الإسلام والمسلمين على مشاعره الشخصية.

خامسًا: تقدير العلماء والقيادة للثبات على الدين:

 لقد قام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب — وهو الفاروق الذي كان يهاب الأكاسرة — وقبّل رأس عبد الله بن حذافة أمام الناس، إعلانًا منه بتقدير هذا الموقف العظيم، وتأكيدًا على أن ثبات الصحابي الجليل على دينه وتضحيته من أجل إخوانه هو موقف يستحق كل إكبار.

خاتمة

رضي الله عن عبد الله بن حذافة السهمي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء. لقد كان نموذجًا فريدًا في الثبات على الدين، والتضحية في سبيل الله، والإيثار على النفس. قصته تبقى خالدةً في صفحات التاريخ الإسلامي، نبراسًا يهتدي به المجاهدون، وعبرةً يتعلّم منها الصابرون.

فاسألوا الله أن يرزقنا مثل ثباته، وأن يملأ قلوبنا مثل إيمانه، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

المصادر: سير أعلام النبلاء للذهبي، البداية والنهاية لابن كثير، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، أسد الغابة لابن الأثير، الاستيعاب لابن عبد البر، تهذيب الكمال للمزي، الطبقات الكبرى لابن سعد، روايات البيهقي وابن عساكر وأبي نعيم. وقد حسّن عدد من أهل العلم أصل القصة، مع وجود اختلاف في بعض ألفاظها وتفاصيلها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Ahmed Abd elfattah تقييم 5 من 5.
المقالات

62

متابعهم

82

متابعهم

198

مقالات مشابة
-