قصه اسلاميه: بستان المتوكلين

قصه اسلاميه: بستان المتوكلين
اشتكى رجل إلى أحد الصالحين ضيق رزقه وتراكم ديونه، فقال له العابد: "أرأيت إن كان لك أب غني، أكنت تخشى الجوع؟"
قال الرجل: "لا والله". فقال العابد: "فكيف تخشى الفقر ورازقك هو الله الغني الحميد؟ اخرج وابتغِ من فضل الله واعلم أن الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً".
خرج الرجل وكلّه يقين، فعمل بجد في أرضه، ولم يمر عام حتى أثمر بستانه ثماراً وفيرة قضى بها دينه وعاش في رغد. إن التوكل الصادق مع السعي يفتح أبواب السماء لم ينسَ الرجل فضل الله؛
فجعل ثلث غلّة بستانه للفقراء والمحتاجين. وفي عامٍ قاحل حبست فيه السماء ماءها وجفت بساتين القرية، ظلّ بستانه أخضر يانعاً وفيراً بالخيرات ببركة الصدقة واليقين. تعجب أهل القرية وسألوه عن سر ذلك، فقال مبتسماً:
"لقد تاجرت مع الله بالتوكل والعطاء، ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب".
فتعلم الجميع أن مفتاح الرزق ليس في قوة السعي وحده، بل في صدق اللجوء إلى رب العباد.
بستان المتوكلين: ثمرة اليقين
كان الشيخ "عبد الرحمن" يبتسم وهو يرى قطرات الماء تبلل التربة حول الشتلة الصغيرة. لم يكن يملك من حطام الدنيا سوى هذا البستان، لكن قلبه كان عامرًا بيقين يزاحم الجبال. في ذلك الصباح، وبينما كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل بين الأغصان لتداعب جبهته المتجعدة، زاره ابن أخيه شاباً يحمل في عينيه قلق المستقبل وخوف الحاجة، فقال مستغرباً: “يا عَمّ، تُعطي هذا البستان كل جهدك، وتزرع شتلات صغيرة قد لا ترى ثمرها، والناس من حولنا يشتكون القحط وضيق الرزق؟”
أوقف الشيخ مرشته، ونظر إلى السماء بنظرة ملؤها الرضا، ثم التفت إلى الشاب قائلاً بصوت دافئ كالنسيم: "يا بني، نحن لا نملك النتيجة، إنما نملك السعي. هذا البستان أسميته 'بستان المتوكلين' لأنني أودع فيه في كل صباح أملي بالله. الأرض تجود لمن يثق بخالقها، والرزق مكتوب لا يسبقه عجلة ولا يؤخره قلق".
مرت الأشهر، وضربت المنطقة موجة جفاف شديدة جفت معها آبار كثيرة، وفقد الكثيرون الأمل. لكن بستان الشيخ عبد الرحمن ظل واحة خضراء تفوح منها رائحة الحياة؛ فقد بارك الله في بئره الصغير، ونمت الشتلات بفضل رعايته ويقينه لتصبح أشجاراً مثمرة أطعمت الجائعين وواست المحتاجين. تعلم الشاب يومها أن التوكل ليس عجزاً، بل هو عمل واجتهاد بيقين راسخ، وأن من فوض أمره إلى الله، أزهرت دُنياه كبستان المتوكلين. بدأت حكاية البستان تنتشر في القرى المجاورة، ولم تعد القصة مجرد حكاية عن أشجار أثمرت في وقت الجفاف، بل تحول "بستان المتوكلين" إلى ملاذٍ لكل من ضاقت به سبل العيش أو تملّكه اليأس. كان الناس يأتون ليروا بأعينهم كيف تتدلى ثمار الرمان والتين ناضجة زكية، وكيف تجري مياهه العذبة كأنها تتحدى المحل والجدوب.
في أحد الأيام، جاء تاجر ثري من المدينة، طمع في شراء البستان وعرض على الشيخ عبد الرحمن مبلغاً يسيل له اللعاب، قائلاً: "يا شيخ، بعني هذا البستان وسأجعل منه جنة استثمارية، وتعيش أنت وما تبقى من أهلك في رغد العيش دون شقاء".
ابتسم الشيخ عبد الرحمن ذات الابتسامة الراضية التي لا تفارق محياه، وهز رأسه نفياً وقال: "يا بني، إن هذا البستان ليس ملكاً لي لأبيعه، إنه وقفٌ لليقين. إنني لم أزرعه بمالي بل زرعته بـ 'بسم الله'، وسقيته بـ 'الحمد لله'، وجنيته بـ 'توكلت على الله'. لو بعتُه لك، لبعتُ الطمأنينة التي في صدري، والرزق الذي يسوقه الله للفقراء وعابري السبيل من هذه الأرض".
كبرت الشتلة الصغيرة التي كان يسقيها الشيخ في ذلك الصباح البعيد، وأصبحت شجرة سدر عظيمة يستظل تحتها عابرو السبيل. ومع مرور السنوات، تقدم العمر بالشيخ عبد الرحمن، لكن روحه ظلت خضراء كبستانه. وعندما حان أجله، رحل في سلام وهو ساجد في المحراب، تاركاً خلفه ابناً وأبناء أخٍ تعلموا الدرس جيداً؛ فتسلموا الأمانة من بعده، وظلوا يخدمون الأرض بنفس اليد الحانية والنفس المتوكلة.
بقي "بستان المتوكلين" شاهداً حياً عبر الأجيال على أن القلوب التي تعمر بالثقة في الله لا تعرف القحط أبداً، وأن السعي الصادق مع تفويض الأمر للخالق هو المفتاح الذي يفتح أبواب البركة من حيث لا يحتسب الإنسان.