من عبادة الشيطان إلى رب الأكوان
خطبة: من ظلمات الضلال إلى نور الهداية – قصة فتاة أبى الله أن تموت إلا على الإسلام

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
أيها الإخوة في الله، عباد الله الذين اصطفاهم الله لنور الإيمان، اتقوا الله حق تقاته، واشكروه على أعظم نعمة أنعم بها عليكم، نعمة الهداية إلى دين الإسلام، فهي نعمة لا تُعدلها نعمة، ولا يُوازيها عطاء. قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
معشر المؤمنين، إن الهداية إلى الله هي كنز يفوق كل كنوز الدنيا، إنها النور الذي يبدد ظلمات الكفر والجهالة، والطمأنينة التي تملأ القلوب بعد طول ضياع. وهي أعظم من المال والمُلك والجاه والولد والحياة بأسرها. ولِعِظَمِ شأن هذه الهداية أمرنا ربنا أن نسأله إياها كل يوم في أعظم عبادة، في الصلاة، بل في كل ركعة: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).
وإليكم أيها الكرام قصة فتاةٍ ضلَّت طريقها طويلاً، فتاهت في متاهات الشهوات، وغرقَت في مستنقعات المعاصي والفتن، عاشت سنينَ في ظلام الجهل يملأ صدرها، وفي حيرةٍ تُقلق مضجعها، تبحث عن السعادة فلا تجدها، وتطلب الراحة فلا تنالها. كانت كمن يسير في صحراء قاحلة دون دليل، يلهث وراء سرابٍ لا يُروي غليله، وتجرعَت مرارةَ البُعد عن الله، حتى إذا بلغت أقصى درجات اليأس، وأيقنت أن طريق الضلال لا يوصل إلى شيء، أشرق في قلبها نور الإيمان.
وهنا لطف الله بها، وشرح صدرها للإسلام، وألقى في قلبها محبة الخير والهدى. قرأت في كتاب الله، وتأملت في آياته البينات، فعلمت أن هذا الدين هو دين الحق، وأن ما كانت فيه من ضلال ليس إلا وهماً سرعان ما يزول. ونطقت بالشهادتين، فخرجت من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن عبادة الشيطان إلى عبادة الواحد الديان.
ولمَّا شعرت بطعم الإيمان، أحست براحة لم تذقها من قبل، وسكينة غمرت كيانها، كأنما وُلِدَت من جديد. استشعرت معنى الآية الكريمة: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، فأيقنت أن السعادة الحقيقية ليست في المال ولا في المنصب، بل في القرب من الله والعبودية له.
وهذا يا عباد الله هو شأن الهداية، إنها منحة إلهية لا تُمنح إلا لمن يشاء الله، قال تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). فقد حرص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم على هداية عمه أبي طالب، وكان أحرص الناس على إيمانه، ولكن الهداية بيد الله وحده. نعم، إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء.
معتقد أهل السنة والجماعة: أن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، وأنه سبحانه خالق العباد وأفعالهم، وهو الذي جعل المهتدي مهتديًا، وجعل الضال ضالًّا، وأنه لا يقع شيء في هذا الكون إلا بمشيئته سبحانه. قال تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ). فالهداية ليست بجهد البشر وإنما بتوفيق الخالق، ولكن على الإنسان أن يسعى ويطلب، وأن يفتح قلبه للحق، فعندها يهديه الله.
هذه الفتاة كانت غارقة في المعاصي، تعيش حياةً بعيدة عن الله، ولكن الله نظر إليها نظرة رحمة، فأخرجها من الظلمات إلى النور. إنها شهادة حية على أن رحمة الله واسعة، وأن باب التوبة مفتوح لكل عائد، مهما بلغت ذنوبه، ومهما تطاولت غفلته.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته التي كان يخطب بها: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له". فمن وفقه الله للهداية، فقد فاز فوزًا عظيمًا، ومن خذله وتركه، فما له من هادٍ.
أيها الإخوة، تأملوا في هذا المشهد العظيم: فتاة كانت تعيش في ضلالها، تلهو وتلعب، تغرق في شهواتها، لا تبالي بحلال ولا حرام، ثم إذا بالله يهديها، فإذا هي أقوم الناس دينًا، وأشدهم تمسكًا بالله. سبحان الله! إنه يقلب القلوب كيف يشاء.

وهذا يذكرنا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ). فالهداية تجر إلى مزيد من الهداية، كما أن الضلال يجر إلى مزيد من الضلال. فمن أراد الله به خيرًا هداه، ومن أراد به شرًا أضله.
أيها المؤمنون، لا تقنطوا من رحمة الله، ولا تيأسوا من هداية من تحبون، فالله على كل شيء قدير، وهو يهدي من يشاء ويفعل ما يشاء. أدعوا الله لهم بالهداية، واسألوه أن يشرح صدورهم للإيمان، فإن الدعاء سلاح المؤمن، وهو من أعظم أسباب الهداية.
وختامًا، أيها الإخوة، احمدوا الله على نعمة الإسلام، فهي النعمة العظمى التي لا يعادلها شيء. قال تعالى على لسان المؤمنين: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ). فهنيئًا لمن هُدي إلى الإسلام، وثبَّته الله عليه حتى الممات، وويل لمن ضلَّ عنه ومات على غير هدى.
اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك، واهدنا إلى صراطك المستقيم. اللهم اهدِ ضالَّ المسلمين، وارحم تائبهم، واغفر لمن تاب وأناب. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين