من عتمة الابتلاء إلي نور الفرج

من عتمة الابتلاء إلي نور الفرج

تقييم 5 من 5.
2 المراجعات

من عتمة الابتلاء إلي نور الفرج

 

 

زحام الحياة المعاصرة وتسارع وتيرتها، كثيراً ما تصاب أرواحنا بالإنهاك، وتحتاج قلوبنا إلى وقفات صدق تعيد إليها السكينة وتربطها بخالقها. وليس هناك أعظم من القصص الإسلامية والتاريخية لتبث فينا الأمل وتجدد طاقة اليقين؛ فالقصص في المنهج الإلهي ليست لمجرد التسلية، بل هي "عبرة لأولي الألباب" ومنهج حياة يضيء لنا عتمة الطريق.

​القصة الأولى: نبي الله يونس.. نداء في ظلمات ثلاث

​تبدأ قصتنا في أعماق البحر الإيجابي الصاخب، حيث التقى الليل المظلم، مع البحر الهائج، وبطن الحوت الضخم. في هذه الظلمات الثلاث (ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت)، وجد نبي الله يونس -عليه السلام- نفسه في موقف ينقطع فيه أي رجاء بشري. لا هاتف يتصل به، ولا قارب إنقاذ يلوح في الأفق، ولا بشر يسمعه.

​في تلك اللحظة التي تزلزل الجبال، لم ييأس نبي الله. لم يلتفت يميناً أو يساراً، بل التفت بقلبه كاملاً إلى رب السماوات والأرض. أطلق صرخة هزت أركان الملكوت، صرخة لم تحمل شكوى أو سخطاً، بل حملت اعترافاً بالتقصير وتوحيداً مطلقاً للخالق: "لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ".

​كان هذا الدعاء بمثابة مفتاح الفرج الأعظم. لقد تحول بطن الحوت بفضل تسبيحه ويقينه من سجن كاد أن يكون قبراً له إلى يوم يبعثون، إلى محراب آمن للعبادة. واستجاب الله له، وأمر الحوت أن يقذفه في العراء وهو سقيم، لتنبت عليه شجرة من يقطين تظلله وتشفيه. هذه القصة تعلمنا أن الكرب مهما عظم، والظلمة مهما اشتدت، فإن مخرجها لا يتطلب سوى يقين صادق، واعتراف بالذنب، وتوجه خالص لمن بيده ملكوت كل شيء.

​القصة الثانية: غلام أصحاب الأخدود.. ثبات يحيي أمة

​وننتقل إلى قصة أخرى سطرها القرآن الكريم في سورة البروج، قصة غلام صغير عاش في مملكة يحكمها ملك طاغية يدعي الألوهية، ويستعين بساحر هرم ليثبت عهده. اختير الغلام ليكون خليفة الساحر، لكن الله أراد له طريقاً آخر؛ فالتقى براهب صالح عرّفه على حقيقة الإيمان بالله الواحد الأحد.

​تأرجح الغلام بين سحر ساحر يدعي القوة الزائفة، وبين إيمان راهب يفيض بالسكينة. وجاء الامتحان حين سدّ دابة عظيمة طريق الناس، فدعا الغلام ربه أن يميتها ليتبين أي الأمرين أحب إليه، فرماها بحجر فماتت، وعلم من يومها أن قوة الإيمان تفوق أي دجل.

​بدأ الغلام يداوي المرضى بإذن الله، شرط أن يؤمنوا بالواحد الأحد. وحين علم الملك، جن جنونه وحاول قتل الغلام مراراً؛ فتارة يلقونه من قمة جبل فينجيه الله، وتارة يلقونه في عرض البحر فينقذه الله. وفي النهاية، أدرك الغلام أن موته هو الذي سيحيي قلوب رعيته، فقال للملك بذكاء المؤمن ويقينه: "إنك لن تستطيع قتلي حتى تجمع الناس في صعيد واحد، وتأخذ سهماً من كنانتي، وتقول: باسم الله رب الغلام".

​فعل الملك ذلك خوفاً من زوال ملكه، وأطلق السهم وهو يقول "باسم الله رب الغلام"، فوقع السهم في صدغ الغلام فمات شهيداً. لكن الصدمة حلت بالملك الطاغية؛ إذ صرخ آلاف الحاضرين بصوت واحد: "آمنا برب الغلام!". لقد انتصر دم الشهيد الصغير على جبروت الملك، وثبتت الأمة على الحق مفضلة الموت في الأخدود على العيش في كنف الوهم والعبودية لغير الله.

​الخاتمة: العبرة المستفادة

​إن هذه القصص ليست مجرد حكايات تُروى قبل النوم، بل هي صياغة إلهية لبناء الشخصية المسلمة. تعلمنا قصة يونس أن الأمل موجود دائماً طالما أن الله موجود، وتعلّمنا قصة الغلام أن النصر الحقيقي ليس دائماً في البقاء الجسدي، بل في انتصار المبدأ وثبات العقيدة. فاجعل من هذه القصص درعاً لقلبك أمام فتن الحياة وابتلاءاتها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed تقييم 5 من 5.
المقالات

1

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-