image about الهجرة النبوية الشريفة وتأسيس الدولة الإسلامية الأولى في المدينة المنورة.الجزء الخامس: الهجرة النبوية.. بناء الأمة وتأسيس الدولة

​كانت الهجرة إلى "يثرب" (التي سُميت لاحقاً بالمدينة المنورة) ليست مجرد هروب من الأذى، بل كانت تخطيطاً عبقرياً لبناء وطن جديد يقوم على العدل والإيمان.

​المؤامرة الكبرى (دار الندوة)

​حين أدركت قريش أن المسلمين بدأوا يجدون لأنفسهم قوة في المدينة، اجتمع سادتهم في "دار الندوة". اتفقوا على قتل النبي ﷺ بضربة رجل واحد من كل قبيلة، ليتفرق دمه بين القبائل ولا يقدر بنو هاشم على المطالبة بدمه. لكن الوحي نزل على النبي ﷺ يخبره بالمؤامرة ويأمره بالهجرة.

​ليلة الهجرة: الفداء والتخطيط

​في تلك الليلة، تجلت معاني التضحية والذكاء في التنفيذ:

​الفدائي الأول: نام علي بن أبي طالب رضي الله عنه في فراش النبي ﷺ ليوهم المشركين أنه ما زال نائماً، وليرد الأمانات التي كانت عند النبي لأصحابها (رغم أنهم كانوا يعادونه!).

​الرفيق: اختار النبي ﷺ أبا بكر الصديق ليكون رفيقه، فبكى أبو بكر فرحاً بصحبته.

​الخروج الخفي: خرج النبي ﷺ من بيته أمام المشركين وهم محاصرون له، فلم يروه، وهو يتلو قوله تعالى: وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشيناهم فهم لا يبصرون.

​غار ثور.. معجزات اليقين

​مكث النبي ﷺ وصاحبه في "غار ثور" ثلاثة أيام لتضليل المشركين. اقترب كفار قريش من باب الغار حتى قال أبو بكر بوجل: "يا رسول الله، لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، فأجابه النبي بيقين الأنبياء: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟".

​الوصول إلى المدينة: ميلاد عهد جديد

​حين وصل النبي ﷺ إلى "قباء" على مشارف المدينة، بنى أول مسجد في الإسلام. ثم دخل المدينة وسط استقبال مهيب؛ حيث خرج الأنصار (أهل المدينة) ينشدون الفرح والترحاب، وكل منهم يرجو أن ينزل النبي ضيفاً عنده، حتى استقرت ناقته "القصواء" في موضع مسجده النبوي الشريف.

​الركائز الثلاث لبناء الدولة

​بمجرد استقراره في المدينة، بدأ النبي ﷺ بتنفيذ خطة عبقرية لبناء مجتمع متماسك:

​بناء المسجد النبوي: ليكون مركزاً للعبادة، والشورى، والتعليم، ومقراً لإدارة شؤون الدولة.

​المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار: في مشهد لم يره التاريخ من قبل، اقتسم الأنصار أموالهم وبيوتهم مع إخوانهم المهاجرين، ليذيب النبي ﷺ فوارق القبلية ويجعل الرابط هو "الإسلام".

​وثيقة المدينة: وضع النبي ﷺ أول "دستور" مدني في التاريخ، ينظم العلاقة بين المسلمين واليهود وسكان المدينة جميعاً، ويضمن حرية الدين وحماية المدينة كمسؤولية مشتركة.

​الدروس المستفادة

​تحول المسلمون من "مستضعفين" في مكة إلى "أصحاب دولة" في المدينة. لم تعد الدعوة مجرد كلمات، بل أصبحت واقعاً يُطبق في القضاء، والتجارة، والعلاقات الدولية. كانت الهجرة هي الحدث الذي فصل بين عصر الاضطهاد وعصر التمكين.

اسس سيدنا محمد صلي لله عليه وسلم مجتمع للمدينه المنوره