عام الحزن ومنحة السماء: من ضيق الأرض إلى سعة الملكوت"

عام الحزن ومنحة السماء: من ضيق الأرض إلى سعة الملكوت"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

image about عام الحزن ومنحة السماء: من ضيق الأرض إلى سعة الملكوتالجزء الرابع: عام الحزن والبحث عن نصير

​بعد خروج المسلمين من محنة الحصار في شعب أبي طالب، كان الأمل يحدوهم في انفراجة قريبة، لكن العام العاشر من البعثة حمل في طياته أحداثاً جسيمة هزت وجدان النبي ﷺ، حتى سُمي هذا العام في السير بـ "عام الحزن".

​رحيل السند والسكينة

​فقد النبي ﷺ في وقت متقارب ركيزتين أساسيتين في حياته:

​أبو طالب: عمه الذي كان يمثل الحماية السياسية والاجتماعية له أمام غطرسة قريش. رغم عدم إسلامه، إلا أنه كان الدرع الذي لا يجرؤ أحد على اختراقه. بوفاته، فقد النبي ﷺ "المنعة" الخارجية.

​السيدة خديجة رضي الله عنها: زوجته ورفيقة دربه، "السند الداخلي" التي واسته بمالها وصدقته حين كذبه الناس. رحلت السيدة التي كان يأوي إلى صدرها ليمسح عن قلبه عناء الدعوة.

​بموت هذين العظيمين، اشتد أذى قريش على النبي ﷺ بشكل لم يسبق له مثيل، فصاروا ينالون منه جسدياً ومعنوياً بجرأة لم تكن موجودة في حياة أبي طالب.

​رحلة الطائف.. جرح يقطر رحمة

​ضاقت مكة على النبي ﷺ، فقرر الخروج إلى الطائف بحثاً عن نصرة قبيلة "ثقيف". مشى النبي ﷺ على قدميه مسافة طويلة تزيد عن ستين كيلومتراً، يحدوه الأمل في أن يجد قلوباً ألين من قلوب قريش.

​لكن الصدمة كانت قاسية؛ إذ لم يكتفِ سادة الطائف برفض دعوته، بل سلطوا عليه صبيانهم وسفهاءهم، فوقفوا له صفين يرجمونه بالحجارة حتى دمت قدماه الشريفتان وسال الدم في نعليه. خرج النبي ﷺ من الطائف مهموماً، وفي طريق عودته في مكان يُسمى "قرن الثعالب"، هبط عليه جبريل ومعه ملك الجبال، يناديه: "يا محمد، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين (الجبلين)".

​هنا تجلت عظمة النبوة، فقال ﷺ بقلب يملؤه الرجاء: "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً". لم يكن يبحث عن الانتقام لنفسه، بل كان يبحث عن النجاة لأمتِهِ.

​الإسراء والمعراج.. الضيافة السماوية

​في قمة الحزن والضيق، جاءت المنحة الإلهية لتكون مواساة وتثبيتاً. أُسري بالنبي ﷺ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهناك أمَّ الأنبياء جميعاً في صلاة واحدة، إيذاناً بانتقال القيادة الروحية للعالم إليه ﷺ.

​ثم عُرج به إلى السماوات العلى، حتى تجاوز "سدرة المنتهى"، ووصل إلى مقام لم يصله بشر ولا ملك، وهناك فُرضت عليه الصلاة؛ الصلة الدائمة بين العبد وربه. عاد النبي ﷺ وفي قلبه يقين لا يزول بأن الله ناصره، وأن ما يحدث في الأرض ليس إلا اختباراً قصيراً أمام عظمة الملكوت.

​بيعة العقبة وميلاد الدولة

​بدأ النبي ﷺ يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج. ومن بين الوفود، التقى بستة نفر من "الخزرج" من أهل يثرب (المدينة المنورة). وجدوا فيه الصفات التي كانت توعدهم بها اليهود، فآمنوا به.

​تطورت هذه اللقاءات إلى بيعة العقبة الأولى ثم بيعة العقبة الثانية، التي بايع فيها 73 رجلاً وامرأتان النبي ﷺ على السمع والطاعة وحمايته مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم. كانت هذه اللحظة هي الحجر الأساس لتحول الإسلام من "دعوة أفراد" إلى "كيان ودولة"، وبدأ الصحابة يهاجرون سراً وزرافات نحو المدينة، ليُفتح فصل جديد في تاريخ البشرية: فصل الهجرة الكبرى.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mahmoud Mahmmad تقييم 5 من 5.
المقالات

8

متابعهم

2

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.