على خطى الأمين: رحلة الهداية واليقين
الجزء الثالث: فجر الدعوة وصمود الجبال
بداية التكليف.. “قم فأنذر”
بعد اللقاء الأول في غار حراء، فتر الوحي لفترة قصيرة، فكان النبي ﷺ يغدو ويروح والوقار يملأ قلبه، والترقب يشغل باله، حتى جاءه جبريل عليه السلام مرة أخرى وهو في ثيابه، فنزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ}. كانت هذه الآيات إيذاناً بانتقال محمد ﷺ من مرحلة "النبوة" (التشريف بالوحي) إلى مرحلة "الرسالة" (التكليف بالبلاغ). لم يعد هناك وقت للراحة؛ فقد بدأت أعظم مهمة في تاريخ البشرية: إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
بدأ النبي ﷺ دعوته سراً، فكان يعرض الإسلام على أقرب الناس إليه وأكثرهم ثقة بصدقه. فكانت السيدة خديجة أول من آمن من النساء، وعلي بن أبي طالب أول من آمن من الصبيان، وأبو بكر الصديق أول من آمن من الرجال. هؤلاء النفر الأوائل لم يكونوا مجرد أتباع، بل كانوا الركائز الأساسية التي قام عليها صرح الإسلام العظيم، فكان أبو بكر رضي الله عنه يجوب مكة يدعو من يثق فيهم، فأسلم على يديه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم من كبار الصحابة.
الدعوة الجهرية والصدع بالحق
استمرت الدعوة سراً لمدة ثلاث سنوات، تكونت خلالها نواة صلبة من المؤمنين الذين كانوا يجتمعون في "دار الأرقم بن أبي الأرقم" ليتعلموا القرآن وأحكام الدين الجديد بعيداً عن أعين قريش. ثم جاء الأمر الإلهي بالجهر: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. صعد النبي ﷺ على جبل الصفا، ونادى في بطون قريش، فلما اجتمعوا قال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟" قالوا: "نعم، ما جربنا عليك إلا صدقاً". فقال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد".
هنا بدأت المواجهة؛ فقام عمه أبو لهب يصرخ فيه: "تباً لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟"، فنزلت سورة المسد لترد على هذا التطاول. ومن تلك اللحظة، تحولت مكة من مدينة هادئة إلى ساحة للصراع بين الحق والباطل، وبدأت قريش تدرك أن هذا الدين يهدد مصالحها وسيادتها القائمة على عبادة الأصنام والطبقية الجائرة.
محنة الاستضعاف وصبر المؤمنين
لم تجد قريش سبيلاً لإيقاف الدعوة إلا بالتعذيب والترهيب. صبت جام غضبها على الفقراء والعبيد الذين آمنوا، فكان "بلال بن رباح" يُخرج إلى رمضاء مكة في شدة الحر، ويوضع الصخر العظيم على صدره وهو لا يفتأ يقول: "أحد.. أحد". وكانت أسرة "آل ياسر" تُعذب حتى استُشهدت الأم سمية -أول شهيدة في الإسلام- والأب ياسر، والنبي ﷺ يمر عليهم ويهدئ من روعهم بكلمته الخالدة: "صبراً آل ياسر، فإن موعدكم الجنة".
أما النبي ﷺ، فقد ناله من الأذى الكثير؛ من وضع القذر على ظهره وهو ساجد، إلى محاولات خنقه، ورمي الشوك في طريقه. لكنه ﷺ كان كالجبل الأشم، لا يزيده الأذى إلا إصراراً، ولا يزيده الجهل إلا حلماً. وعندما عجزت قريش عن ثنيه بالتعذيب، لجأت إلى أسلوب الإغراء، فأرسلوا "عتبة بن ربيعة" يعرض عليه الملك والمال والجاه مقابل ترك هذا الأمر، فقرأ عليه النبي ﷺ آيات من سورة فصلت حتى خضع عتبة لعظمة القرآن وعاد لقومه بوجه غير الذي ذهب به.
الهجرة الأولى والمقاطعة الظالمة
حين اشتد البلاء على الصحابة، أشفق عليهم النبي ﷺ وأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة قائلاً: "إن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحد". فكانت أول هجرة في الإسلام فراراً بالدين. وفي مكة، قررت قريش القيام بإجراء هو الأقسى: "المقاطعة الشاملة". حصروا بني هاشم وبني المطلب في "شعب أبي طالب"، ومنعوا عنهم البيع والشراء والزواج والطعام، حتى أكل الصحابة أوراق الشجر من شدة الجوع، واستمر هذا الحصار الظالم ثلاث سنوات، لم يزد المؤمنين إلا إيماناً وتسليماً، حتى انتهى بنقض الصحيفة بآية من الله أرسل فيها "الأرضة" (دودة الخشب) فأكلت عهد الظلم ولم تبقِ إلا اسم الله.