حق الرغيف وبركة الإيثار

حق الرغيف وبركة الايثار
في إحدى قرى الشام القديمة، عاش رجل صالح يدعى "أبو العباس". كان يعمل حطاباً بسيقاً، يخرج كل يوم مع الفجر إلى الجبال ليجمع الحطب، ثم يعود به إلى السوق ليبيعه ويرزق منه وقوت يومه وزوجته وأطفاله الثلاثة. لم يكن أبو العباس يملك من الدنيا سوى فأس قديمة ودابة هرمة، لكنه كان يملك قلباً عامراً بالرضا واليقين بالله.
في يوم من أيام الشتاء القارسة، خلت الشوارع من الناس بسبب الهطول الغزير لل his الأمطار والبرد القارس. خرج أبو العباس كعادته، لكنه لم يجد أحداً يشتري منه الحطب. وبعد طواف طويل في السوق، استطاع في نهاية اليوم أن يبيع حزمة صغيرة من الحطب لخباز القرية مقابل درهم واحد فقط.
فرح أبو العباس بالدرهم، واشترى به ثلاثة أرغفة من الخبز الدافيء ليعود بها إلى أطفاله الذين ينتظرونه على جمر الجوع. وفي طريق عودته، وبينما كان يسير في أطراف القرية، سمع صوت بكاء خفيض يأتي من خلف جدار مهدم.
اقترب أبو العباس ليستكشف الأمر، فوجد امرأة عجوزاً تصارع البرد والجوع مع أطفالها الأيتام، وقد بلغ بهم الضر مبلغه حتى لم يعد لديهم القوة على القيام. توقف أبو العباس ونظر إلى الأرغفة الثلاثة التي بحوزته، وتذكر أطفاله المنتظرين في البيت، لكنه تذكر أيضاً قول الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
جلس أبو العباس بجوارهم وكسر الخبز، فأعطى العجوز وأطفالها رغيفين اثنين، وأبقى لبيته رغيفاً واحداً. دعت له العجوز بدموعها قائلة: "جزاك الله خيراً يا بني، وسقاك من حوض نبيه، وفتح عليك أبواب رزقه من حيث لا تحتسب".
عاد أبو العباس إلى بيته، وقسم الرغيف الوحيد بين أطفاله وزوجته، وأخبرهم بما حدث، ففرحت زوجته الصالحة بإيثاره وشجعت صنعه. نام الجميع في تلك الليلة وأمعاؤهم خاوية، لكن قلوبهم كانت ممتلئة بالسكينة والاطمئنان.
في صباح اليوم التالي، خرج أبو العباس إلى الجبل كعادته، وبينما هو يحطب بالقرب من صخرة كبيرة، ضرب بفأسه قطعة خشبية يابسة، لكن الفأس ارتطمت بشيء صلب أصدر صوتاً معدنياً. حفر أبو العباس حول الصخرة ليجد جرة فخارية قديمة ممتلئة بالقطع الذهبية والأواني الفضية التي يعود تاريخها لعهود قديمة.
وقف أبو العباس مذهولاً، ولم يمس الذهب حتى ذهب به إلى قاضي القرية ليتأكد من أصل هذه اللقطة وهل لها صاحب. وبعد البحث والتحري، تبين أن الجرة دفنت منذ مئات السنين في أرض موات لا مالك لها، فأقر القاضي بأن الجرة من حق أبي العباس شرعاً كنزاً حلالاً.
لم ينسَ أبو العباس فضل الله، فأول ما فعله بعد أن أخذ المال هو بناء بيت لتلك العجوز الأرملة وأطفالها، وجعل لهم راتباً شهرياً يكفيهم عن الحاجة، ثم وسّع على أهله وقومه، واشترى مزارع وأنعاماً وسخر جزءاً كبيراً منها لإطعام الفقراء والمساكين.
العبرة من القصة:
تجارة الصدقة مع الله: الصدقة لا تنقص المال أبداً، بل تطهره وتضاعفه، وما ينفقه المرء في سبيل الله يعود إليه أضعافاً مضاعفة في الدنيا والآخرة.
خلق الإيثار: تقديم حاجة الآخرين في أوقات الشدة هو أرفع درجات الإيمان، ويورث صاحبه بركة في حياته ورضواناً من ربه.
الورع والتقوى: أمانة أبي العباس وحرصه على الاستئذان والسؤال عن المال قبل أخذه كانت السبب في أن يبارك الله له في رزقه ويجعل عاقبته خيراً.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق