في هذا المقال
الرجل الذي عصى الله اربأربعين سنة ثم تاب
في عهد النبي موسى عليه السلام، انقطع المطر عن بني إسرائيل، فجفت الأرض ويبس الزرع وجاع الناس وعطشت الأنعام وماتت المراعي وهلك الحرث والضرع، فخرج موسى عليه السلام بقومه إلى الصحراء يستسقون الله ويطلبون الغيث والرحمة والمغفرة، فصلوا ودعوا وتضرعوا طويلا وبكوا بخشوع فلم ينزل المطر أبدا، فتعجب موسى وسأل ربه متضرعا لماذا لم تستجب دعاءنا يا رب ونحن عبادك ندعوك، فأوحى الله تعالى إليه أن فيكم عبدا يبارزني بالمعاصي منذ أربعين سنة كاملة، يفعل الكبائر ولا يتوب ولا يستحي مني، وبسببه منعتم المطر من السماء وحرمتم الغيث والبركة.
فقام موسى في قومه ونادى بصوت عال يسمعه الجميع، يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله بالذنوب والمعاصي منذ أربعين سنة، اخرج من بيننا، فبسببك منعنا المطر ومنعنا الرزق والخير كله، فلم يخرج أحد من الجمع ولم يتحرك أحد من مكانه،
لكن ذلك العبد المذنب عرف نفسه جيدا، نظر حوله يمينا وشمالا فلم يجد أحدا خرج، فعلم أنه هو المقصود وحده دون غيره، فخجل من نفسه خجلا شديدا ووضع رأسه في ثيابه وبكى ندما وحزنا، وقال في قلبه منكسرا ذليلا باكيا، يا رب إني عصيتك أربعين سنة وأمهلتني وسترتني ولم تفضحني بين عبادك، واليوم إن خرجت أمام الناس فضحت وهلكت، وإن بقيت بينهم هلكنا جميعا من العطش والجوع، اللهم إني أتوب إليك توبة صادقة خالصة نصوحا فاقبلني واسترني واغفر لي وارحمني برحمتك.
وما هي إلا لحظات قليلة حتى تجمعت السحب السوداء الكثيفة في السماء من كل مكان وأظلمت، ونزل المطر غزيرا كأفواه القرب، فسقى الأرض كلها وأحيا الزرع الميت وشرب الناس حتى ارتووا وشربت الأنعام وفرح الجميع فرحا عظيما، فتعجب موسى وقال يا رب سقيتنا ولم يخرج منا أحد، فأوحى الله إليه سبحانه، يا موسى سقيتكم بالذي منعتكم به، لقد تاب عبدي توبة صادقة خالصة فقبلتها وغفرت له، فقال موسى يا رب أرني هذا العبد الطائع لأكرمه، فقال الله عز وجل يا موسى إنه لما كان يعصيني سترته أربعين سنة كاملة، أفأفضحه بعد أن تاب إلي ورجع وأناب.
وهنا بكى موسى وتعلم قومه درسا عظيما بليغا، أن رحمة الله واسعة تسع كل شيء وكل مذنب، وأن الله ستير يحب الستر ويحب التوابين، وأن التوبة الصادقة تمحو ما قبلها مهما عظمت الذنوب وكثرت، وأن العبد إذا رجع إلى ربه بصدق وندم وخشوع وانكسار،
فتح الله له أبواب الرحمة والرزق والمغفرة، فلا تيأس أبدا من رحمة الله مهما بلغت ذنوبك، فالله يفرح بتوبة عبده أكثر من فرح الرجل الذي وجد ناقته في الصحراء بعد يأس، فارجع إلى الله اليوم قبل الغد وتوبوا جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون وتسعدون في الدنيا والآخرة برحمته وفضله.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق