قصة ملكة سبأ ♥

قصة ملكة سبأ ♥

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

قصة ملكة سبأ كامله ♥

 

**مقدمة**

تُعدّ قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام من أروع القصص القرآني، لما تحمله من معانٍ سامية في الحكم والتدبير، وأدب الحوار، والبحث عن الحق. أورد القرآن الكريم هذه القصة في سورة النمل بتفصيل يبرز مكامن الحكمة لدى طرفيها: نبي آتاه الله ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وملكة أوتيت من كل شيء وكانت ترأس قوماً يعبدون الشمس من دون الله.

**مملكة سبأ ونبأ الهدهد**

كانت مملكة سبأ تقع في أرض اليمن، وتعيش في رخاء اقتصادي وعمراني كبير، تظللها السدود والجنان والجبال الخضراء. وكانت تحكمهم امرأة ذكية ورشيدة تُدعى "بلقيس" (كما ورد في الآثار والتفاسير)، قد أوتيت من أسباب الملك والحكمة والعرش العظيم ما مكّنها من سوس رعيتها بالحلم والشورى.

في المقابل، كان نبي الله سليمان عليه السلام قد سخر الله له الجن والإنس والطير والرواسي، وعلمه منطق الطير. وفي يوم من أيام تفقد جنده، لاحظ غياب "الهدهد"، فوعده بالعقاب إن لم يأتِ بعذر جلي. لم يلبث الهدهد طويلاً حتى جاء بنبأ يقيني من أرض سبأ، إذ قال لسليمان: ﴿أَحَاطَتْ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾.

**رسالة سليمان وحكمة الملكة**

أراد سليمان عليه السلام أن يتيقن من صدق الهدهد، فكتب كتاباً مختصراً بليغاً يبدأ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، وأمر الهدهد بإلقائه إليها والمراقبة عن قرب.

عندما تلقت الملكة الكتاب، أدركت أبعاد الموقف، فلم تتفرد بالقرار، بل جمعت ملأها وكبار قومها وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾، ثم استشارتهم. رد أولو القوة والنفوذ في قومها باستعدادهم للقتال والحرب، واضعين القرار النهائي في يدها. لكن حكمة الملكة ورؤيتها الثاقبة تجلت في رفضها للحل العسكري ابتداءً، عالمةً بطبيعة الملوك عند دخول القرى: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.

**اختبار الهدايا والموقف الحاسم**

قررت الملكة إرسال هدية فاخرة إلى سليمان لتختبر طبيعته: هل هو ملك يبتغي الدنيا والمتاع والمال، أم هو نبي صاحب رسالة ودين؟

عندما وصلت الهدايا إلى سليمان عليه السلام، ردّها برفض قاطع يعبر عن اعتزازه بنعمة الله وفضله، قاطماً كل أمل في الرشوة أو المساومة: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾. وأمر الرسول بالعودة فوراً محذراً بإرسال جنود لا طاقة لهم بها، وخروجهم من ديارهم أذلة وهم صاغرون.

**إحضار العرش والصرح الممرد**

عادت الرسل إلى سبأ بنبأ سليمان ورسالته، فأيقنت الملكة أن الحل الوحيد هو الشخوص إليه بنفسها والانقياد لأمره. فلما علم سليمان بقدومها طائعة، أراد أن يريها آية من آيات قدرة الله الممنوحة له، وأن يختبر رجاحة عقلها.

سأل سليمان ملاأه: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾؟ قال عفريت من الجن إنه يأتيه به قبل أن يقوم من مقامه، بينما قال الذي عنده علم من الكتاب إن آتيه به قبل أن يرتد إليه طرفه. وفي لحظة عين، وجد سليمان العرش مستقراً عنده، فحمد الله على فضل الاصطفاء الشاكر.

أمر سليمان بتغيير بعض معالم العرش لتجربة ذكائها. فلما وصلت وسُئلت: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾؟ لم تتسرع بالنفي ولا بالإثبات، بل أجابت بذكاء بالغ: ﴿كَأَنَّهُ هُوَ﴾.

ثم أدخلت إلى الصرح، وهو قصر تم بناء أرضيته من زجاج صافٍ يجري تحته الماء. فلما رأته حسبته لجة ماء كاشفة عن ساقيها لتخوضه، فقال لها سليمان: ﴿إِنَّهُ صَرْحٌ مَُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ﴾.

**إسلام بلقيس والخاتمة**

أمام هذه المعجزات المتتالية—من إحضار عرشها الفاخر عبر المسافات الشاسعة في رمشة عين، إلى الدقة في التصميم والهندسة الشريفة—تجلت الحقيقة جلياً أمام ملكة سبأ. أدركت حينها أن كل ما رأت ليس مجرد ملك أرضي، بل هو مندرج تحت تأييد إلهي ونبوة صادقة.

فلم تتكبر ولم تأخذها العزة بالإثم، بل أعلنت إسلامها لله رب العالمين متبرئة من الشرك ومقرة بظلم نفسها فيما مضى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

تطوى القصة بذلك لتقدم أنموذجاً فريداً عن تحول القوة المادية والجاه إلى الخضوع للحق، وكيف أن العقل والحكمة إذا تجردا من الهوى يقودان صاحبهما دائماً إلى طريق التوحيد والإيمان.

image about قصة ملكة سبأ ♥
التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Roba Mr تقييم 5 من 5.
المقالات

5

متابعهم

3

متابعهم

2

مقالات مشابة
-