عبدُ الله بنُ حُذافة: الرجل الذي ضحك في وجه الإمبراطور
عبدُ الله بنُ حُذافة: الرجل الذي ضحك في وجه الإمبراطور

الباب الذي لم يُفتح
لم يكن في المشهد ما يوحي بالقوة. رجلٌ نحيل الجسد، مكبَّل اليدين، يقف في قاعةٍ مترامية الأطراف، تتدلى من سقفها الثريات، وتحرس أبوابها السيوف والرماح. على العرش جلس إمبراطور الروم، تحيط به الهيبة والجند. ومع ذلك، لم ينكسر الأسير، ولم ينحنِ رأسه. نظر بثبات إلى من أمامه، كأن القيود لم تكن في يديه، بل في أوهام من حوله. كان هذا الرجل هو عبد الله بن حذافة السهمي، الصحابي الذي قرر أن يقف وحده في مواجهة إمبراطور، دون أن يتنازل عن ذرة من إيمانه.
من هو عبد الله بن حذافة؟
عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه من أصحاب النبي ﷺ، عُرف بخفة روحه وجرأته وقوة قلبه. كان من أوائل من جاهروا بالإسلام، ولم يتردد يومًا في تحمّل المشاق في سبيله. اختاره النبي ﷺ لمهمات دقيقة، منها حمل رسالته إلى كسرى ملك الفرس، وهو اختيار لم يكن عشوائيًا، بل دليلًا على ثقة النبي في حكمته وثباته. لم يكن عبد الله صاحب جاه ولا مال، لكنه كان يمتلك ما لا يُشترى: يقينًا راسخًا لا تهزه التهديدات.
الأسر الذي قاد إلى الخلود
في إحدى المعارك بين المسلمين والروم، وقع عبد الله أسيرًا، وساقه الجنود إلى قيصر الروم. كان الإمبراطور يرى في الأسرى فرصة لكسر معنويات المسلمين، فقرّر أن يجعل من عبد الله مثالًا. بدأ حديثه بهدوء خادع، وقال له: «تنصَّر، وأنا أُشركك في ملكي، وأجعل لك من السلطان ما تشتهي».
لكن عبد الله أجابه بكلمات قصيرة وحاسمة:
«والله، لو أعطيتني ما تملك وما تملك العرب جميعًا، ما تركت ديني طرفة عين».
عندها تبدل الهدوء إلى غضب، وتحول العرض إلى تهديد صريح.
اختبار النار والماء
أمر قيصر بإحضار قدرٍ عظيم مملوء بالماء المغلي، ثم أمر بإلقاء أحد الأسرى المسلمين فيه أمام عيني عبد الله. كان المشهد قاسيًا، تتصاعد منه الأبخرة، وتختلط فيه الصرخات بالصمت الثقيل. التفت الإمبراطور إلى عبد الله مرة أخرى وقال: «تنصَّر، وإلا كان مصيرك كمصيره».
نظر عبد الله إلى القدر، ثم أطرق رأسه، وبدأت دموعه تنزل. ظن قيصر أن الخوف قد تسلل إلى قلبه، فابتسم ابتسامة المنتصر. لكن عبد الله رفع رأسه وقال:
«ما أبكاني خوفًا من الموت، ولكن أبكاني أن لي نفسًا واحدة تُقتل في سبيل الله».
سقطت الكلمات كالصاعقة، وعمّ الصمت القاعة.
حكمة لا يعرفها الجبابرة
أدرك قيصر أن الترهيب لم يفلح، فانتقل إلى أسلوب آخر. قال لعبد الله: «قبّل رأسي، وأطلق سراحك وسراح جميع الأسرى المسلمين».
تردد عبد الله لحظة، لا ضعفًا، بل تفكيرًا. ثم وافق. تقدّم، وقبّل رأس الإمبراطور، ليس خضوعًا ولا ذلًا، بل حكمةً لإنقاذ إخوانه.
وفى قيصر بوعده، وأمر بإطلاق سراح الأسرى جميعًا، فعادوا أحرارًا بفضل موقف رجل واحد عرف متى يثبت، ومتى يختار الطريق الأذكى دون أن يفرّط في دينه.
استقبال لا يشبه غيره
عاد عبد الله بن حذافة إلى المدينة المنورة، وقصّ ما حدث على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لم ينظر عمر إلى القبلة على أنها نقص، بل رآها نصرًا عظيمًا وحكمة بالغة. فقام أمام الناس، وقبّل رأس عبد الله، وقال كلمته المشهورة:
«حقٌّ على كل مسلم أن يُقبّل رأس عبد الله بن حذافة».
وهكذا تحوّل الأسير إلى رمز، وتحولت القصة إلى درس خالد.
لماذا بقي اسمه حيًا؟
خلّد التاريخ عبد الله بن حذافة لأنه جمع بين الشجاعة والعقل، وبين الثبات والمرونة. علّمنا أن الإيمان لا يعني التصلّب الأعمى، بل حسن التصرف دون التنازل عن المبدأ. وأن الإنسان قد يقف وحده أمام قوة عظمى، لكنه إذا امتلك يقينًا صادقًا، صار أقوى من العرش والسيف معًا.
📚 المراجع
ابن سعد – الطبقات الكبرى
ابن حجر العسقلاني – الإصابة في تمييز الصحابة
الذهبي – سير أعلام النبلاء
ابن كثير – البداية والنهاية