أويس بن عامر القرني
أويس بن عامر القرني
أويس بن عامر القرني… الزاهد الذي شهد له النبي ﷺ
يُعد أويس بن عامر القرني واحدًا من أعلام الزهد والورع في تاريخ الإسلام، وهو من الشخصيات التي لم تلمع شهرتها في حياتها بقدر ما خُلِّدت سيرتها بعد وفاتها، حتى صار مثالًا خالدًا على الإخلاص الخفي والطاعة الصادقة.
نسبه ونشأته
هو أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي، ينتمي إلى قبيلة مراد من أهل اليمن، وتحديدًا من منطقة قرن، ومنها جاء لقبه “القرني”. نشأ أويس في بيئة بسيطة، وعاش حياة متواضعة، وكان راعيًا للإبل، لا يملك من الدنيا إلا القليل، لكنه امتلك قلبًا عامرًا بالإيمان.
إسلامه وسبب عدم لقائه بالنبي ﷺ
أسلم أويس في حياة النبي محمد ﷺ، لكنه لم يلتقِ به رغم شدة شوقه لذلك. والسبب في ذلك أنه كان بارًّا بوالدته برًّا عظيمًا، حيث كانت مريضة ولا تجد من يخدمها غيره، فآثر طاعتها والبقاء بجانبها على السفر إلى المدينة المنورة لرؤية النبي ﷺ. وهذا الموقف الخالد جعله مثالًا يُحتذى في برّ الوالدين وتقديم طاعتهم.
مكانته عند النبي ﷺ
على الرغم من أن أويس لم يرَ النبي ﷺ، إلا أن النبي ذكره لأصحابه، فقال ﷺ:
«يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها برّ، لو أقسم على الله لأبرّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل».
وقد أوصى النبي ﷺ الصحابة، وعلى رأسهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، بأن يطلبوا من أويس الدعاء والاستغفار إذا لقوه، في دلالة عظيمة على مكانته عند الله.
زهده وعبادته
كان أويس شديد الزهد في الدنيا، كثير العبادة، طويل القيام، غزير الدموع، يخفي أعماله ولا يحب الشهرة ولا المدح. وكان يهرب من الناس إذا عرفوا فضله، خوفًا من الرياء أو تعلق القلوب به. عاش حياة الفقراء اختيارًا، لا عجزًا، وكان يرى أن الغنى الحقيقي هو غنى القلب.
لقاؤه بعمر بن الخطاب
تحقق ما أخبر به النبي ﷺ، فالتقى عمر بن الخطاب بأويس في موسم الحج، وسأله عن صفاته، فلما تأكد أنه هو، طلب منه أن يستغفر له، ففعل أويس وهو متأثر، ثم طلب من عمر أن لا يخبر أحدًا بأمره، رغبة في الخفاء.
استشهاده
شارك أويس في معركة صفين، وقاتل فيها حتى استُشهد رضي الله عنه، وكان ذلك في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهكذا ختم حياته بالشهادة بعد حياة مليئة بالطاعة والزهد والإخلاص.
الدروس المستفادة من سيرته
تحمل سيرة أويس القرني دروسًا عظيمة، من أبرزها:
عِظَم شأن برّ الوالدين عند الله.
أن الشهرة ليست معيار القرب من الله.
أن العمل الخفي الصادق أعظم أجرًا من العمل الظاهر.
أن التقوى قد ترفع العبد ولو كان مجهولًا بين الناس.
خاتمة
يبقى أويس بن عامر القرني شاهدًا حيًّا على أن القلوب الصادقة تبلغ أعلى المنازل عند الله دون ضجيج أو أضواء. فهو نموذج للإنسان الذي صنع مجده في السماء قبل الأرض، وخلّد اسمه في سجل الصالحين إلى يوم الدين.