حين اختار الأمانة… فاختاره الله
في قريةٍ هادئة، لا يُسمع فيها سوى صوت الريح إذا مرّت بين البيوت الطينية، عاش رجلٌ يُدعى سالم. لم يكن مشهورًا بمالٍ ولا منصب، بل كان معروفًا بشيءٍ واحد فقط: الصدق.
كان سالم فقيرًا، يعمل يومًا ويتعطل أيامًا، يعود إلى بيته الصغير محمّلًا بالتعب، لكنه لم يعد يومًا محمّلًا بالحرام.
كانت أمه مريضة، يحتاج علاجها إلى مالٍ لا يملكه، وكانت الليالي تمر ثقيلة عليه، يقف بين يدي الله بعد كل عشاء، ويقول:
«يا رب، إن كنتَ قد أخّرت رزقي، فاجعل في التأخير حكمة، ولا تجعل في قلبي سخطًا».
وفي صباح يومٍ شديد الحر، خرج سالم باحثًا عن عمل. طال الطريق، وخفّت الخطوات، وبينما كان يسير في طريقٍ مهجور، لمح كيسًا صغيرًا بجانب حجر. انحنى والتقطه، فتحه بحذر، فإذا هو مليء بقطع الذهب.
توقف الزمن في تلك اللحظة.
تذكّر أمه، وتذكّر فقره، وتذكّر حاجته. كانت نفسه تهمس: «خذ منه بعضًا، فلن يعلم أحد»، لكن قلبه ردّ بقوة:
«أيعلم الله ولا أعلم؟»
أغلق الكيس وشدّ عليه، وقال:
«اللهم إني فقير، ولكني لا أبيع آخرتي بدنيا زائلة».
اتجه سالم إلى المسجد، وجلس ينتظر الإمام حتى فرغ من صلاته. قصّ عليه ما وجد، فقال الإمام مبتسمًا:
— «ما فعلته اليوم تجارةٌ رابحة مع الله».
أُعلن عن الكيس بعد الصلاة، ومرّ يوم ويومان دون أن يأتي أحد. وفي اليوم الثالث، دخل المسجد رجلٌ مسنّ، ظهر عليه الحزن والانكسار، وسأل بصوتٍ مرتجف عن كيسٍ ضائع، وصفه وصفًا دقيقًا، فما كان من سالم إلا أن تقدّم وسلمه الكيس كاملًا.
نظر الرجل إلى الذهب، ثم إلى سالم، وانهمرت دموعه، وقال:
«ظننت أني هلكت… هذا مال أولادي».
حاول أن يعطي سالم جزءًا منه، لكن سالم رفض قائلًا:
«والله ما أرجو من هذا إلا رضا الله».
رفع الرجل يديه ودعا دعاءً طويلًا، خرج من قلبٍ صادق، فشعر سالم براحةٍ لم يشعر بها من قبل.
لكن بعد أيام، مرض سالم مرضًا شديدًا. اشتد عليه الوجع حتى ظن أهل القرية أنه لن ينجو. كان يتألم، لكنه لم يجزع، بل كان يقول:
«إن كان هذا ثمن الصدق، فالحمد لله».
وفي ليلةٍ من ليالي الألم، رأى في منامه رجلًا صالحًا يقول له:
«اصبر، فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا».
استيقظ سالم مع أذان الفجر، وقد خفّ عنه الألم، ومرّت أيام حتى شُفي تمامًا. وبعد أشهر، جاء تاجرٌ من مدينةٍ بعيدة، سمع عن أمانته، فعرض عليه العمل معه. فتح الله عليه أبواب رزقٍ لم يكن يتخيلها.
صار لسالم مال، لكن قلبه لم يتغير. ظل قريبًا من المسجد، يعين الفقراء، ويقول لكل من سأله عن سرّ تغير حاله:
«ما تركت شيئًا لله، إلا وجدتُه عند الله مضاعفًا».