حكم رفض الزوجة معاشرة زوجها بين الشرع والواقع المعاصر
حكم رفض الزوجة معاشرة زوجها بين الشرع والواقع المعاصر

حكم رفض الزوجة معاشرة زوجها في ميزان الشريعة الإسلامية – دراسة فقهية تأصيلية في ضوء القرآن والسنة وأقوال العلماء
تُعد العلاقة الزوجية في الإسلام من أقدس العلاقات الإنسانية، إذ قامت على أسس المودة والرحمة والسكن، ولم تكن مجرد علاقة جسدية أو عقد اجتماعي فحسب، بل هي ميثاق غليظ شرعه الله عز وجل لتحقيق الاستقرار النفسي والعاطفي والجسدي لكلا الزوجين. وقد أولى الإسلام مسألة المعاشرة الزوجية اهتمامًا بالغًا، باعتبارها أحد أهم مقاصد الزواج، لما لها من أثر مباشر في حفظ النفس والعرض وغض البصر وبناء الأسرة الصالحة. ومن هنا يبرز التساؤل الفقهي الذي أثارته الصورة محل النقاش: ما حكم رفض الزوجة معاشرة زوجها؟ وهل هو حلال أم حرام أم مكروه؟ أم أن الحكم يختلف باختلاف الأحوال والظروف؟ هذا ما سنحاول بيانه تفصيلًا في هذا المقال، معتمدين على النصوص الشرعية وأقوال أهل العلم، مع مراعاة المقاصد الشرعية والبعد الإنساني والاجتماعي.
أولًا: مفهوم المعاشرة الزوجية في الإسلام
المعاشرة الزوجية في المفهوم الإسلامي لا تقتصر على العلاقة الجسدية فقط، بل تشمل حسن العشرة، والقيام بالحقوق المتبادلة، قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]. إلا أن العلاقة الحميمة تُعد جزءًا أصيلًا من هذه المعاشرة، وهي حق مشترك بين الزوجين، وليست فضلًا من أحدهما على الآخر. وقد دلّ الشرع على أن من مقاصد الزواج إشباع الغريزة الجنسية بالحلال، قال تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187]، واللباس هنا كناية عن القرب والستر والالتصاق، وكلها معانٍ تشمل المعاشرة الجسدية.
ثانيًا: حق الزوج في الاستمتاع بزوجته
اتفق الفقهاء على أن للزوج حق الاستمتاع بزوجته بالمعروف، ما دامت العلاقة في إطار الشرع، دون ضرر أو أذى. قال ابن قدامة رحمه الله: “وللزوج الاستمتاع بزوجته إذا لم يكن لها عذر يمنع ذلك”. وهذا الحق ثابت بالعقد الصحيح، لأن الزوج التزم بالنفقة والسكنى والرعاية، وفي المقابل التزمت الزوجة بالطاعة في المعروف، ومن جملة ذلك تمكين الزوج من الاستمتاع. وقد وردت نصوص صريحة في السنة تؤكد هذا الحق، منها قول النبي ﷺ: “إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت، فبات غضبان عليها، لعنتها الملائكة حتى تصبح” [رواه البخاري ومسلم]. وهذا الحديث يدل دلالة واضحة على خطورة امتناع الزوجة عن المعاشرة دون عذر شرعي.
ثالثًا: حكم رفض الزوجة معاشرة زوجها بدون عذر
ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن امتناع الزوجة عن فراش زوجها بدون عذر شرعي يُعد معصية وإثمًا، وقد يصل إلى حد النشوز. والنشوز في الفقه هو عصيان الزوجة لزوجها فيما يجب عليها شرعًا. قال الإمام النووي رحمه الله: “في هذا الحديث تحريم امتناعها من فراشه لغير عذر شرعي”. ويؤكد ذلك أن الشريعة راعت حاجة الرجل الفطرية، واعتبرت إهمالها بابًا للفتنة والفساد، سواء بوقوعه في الحرام أو بانهيار الحياة الزوجية.
رابعًا: الأعذار الشرعية التي تبيح للزوجة الامتناع
مع وضوح تحريم الامتناع بلا سبب، إلا أن الشريعة الإسلامية شريعة عدل ورحمة، فلم تُلزم المرأة بالمعاشرة في كل حال، بل راعت ظروفها الجسدية والنفسية. ومن الأعذار الشرعية المعتبرة: الحيض والنفاس، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، وكذلك المرض الذي يشق معه الجماع أو يسبب ضررًا، أو التعب الشديد، أو الصوم الواجب، أو الإحرام بالحج أو العمرة. كما يدخل في الأعذار وجود أذى نفسي حقيقي أو ضرر محقق، لأن القاعدة الفقهية تقول: “لا ضرر ولا ضرار”.
خامسًا: الامتناع لأسباب نفسية أو سلوكية
من القضايا المعاصرة التي ناقشها الفقهاء مسألة امتناع الزوجة لأسباب نفسية، كالاكتئاب أو النفور الشديد الناتج عن سوء معاملة الزوج أو إهماله أو عنفه. وقد قرر كثير من العلماء المعاصرين أن الزوج إذا أساء العشرة أو ألحق الأذى بزوجته، فإن لها حق الامتناع مؤقتًا حتى تزول أسباب الضرر، لأن المعاشرة بالمعروف واجبة على الطرفين. قال ابن تيمية رحمه الله: “كل ما أوجب النفرة والبغضاء فهو مخالف لمقصود النكاح”.
سادسًا: هل الحكم دائم أم متغير حسب الحال؟
من الخطأ الفقهي الشائع إطلاق حكم واحد في جميع الحالات دون نظر في الملابسات. فرفض الزوجة معاشرة زوجها قد يكون حرامًا إذا كان بغير سبب، وقد يكون جائزًا أو واجبًا إذا كان الجماع يسبب لها ضررًا محققًا. وقد يكون مكروهًا إذا كان الامتناع لأسباب يسيرة يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ولهذا قال العلماء إن الأحكام الفقهية المتعلقة بالعشرة الزوجية تدور مع العدل والمصلحة ورفع الضرر.
سابعًا: واجبات الزوج في هذا الباب
كما أن على الزوجة واجب التمكين، فإن على الزوج واجبات لا تقل أهمية، منها مراعاة حال زوجته، والرفق بها، وعدم الإكراه أو الإيذاء، وإشباع حاجتها العاطفية، لأن المرأة ليست آلة لإشباع الرغبة فقط. وقد قال النبي ﷺ: “خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي” [رواه الترمذي]. كما حث الإسلام على المداعبة والملاطفة، ونهى عن الإهمال أو الفظاظة، لأن ذلك قد يؤدي إلى نفور الزوجة ورفضها للمعاشرة.
ثامنًا: أثر الامتناع المستمر على الحياة الزوجية
الامتناع المستمر دون مبرر شرعي يُعد من أسباب تفكك الأسرة، ويفتح أبواب الشك والفتنة، وقد يؤدي إلى الوقوع في المحرمات، أو إلى الطلاق، وهو أبغض الحلال إلى الله. ولذلك شدد الفقهاء على ضرورة معالجة هذه المشكلات بالحكمة، والنصح، والتحكيم الأسري، قبل الوصول إلى مراحل متقدمة من النزاع.
تاسعًا: حكم الشرع في ضوء المقاصد العامة
إذا نظرنا إلى المسألة من زاوية مقاصد الشريعة، نجد أن حفظ النسل والعرض والنفس من المقاصد الكبرى، والمعاشرة الزوجية وسيلة لتحقيق هذه المقاصد. ومن ثم فإن تعطيلها بلا سبب يُعد إخلالًا بمقصد شرعي. وفي المقابل، فإن إجبار المرأة على ما يؤذيها يُعد إخلالًا بمقصد رفع الحرج والضرر. ومن هنا يظهر التوازن الدقيق الذي جاءت به الشريعة.
عاشرًا: الخلاصة والحكم الراجح
يمكن تلخيص الحكم الشرعي في أن رفض الزوجة معاشرة زوجها بلا عذر شرعي حرام وإثم، ويُعد نشوزًا، لما ورد فيه من نصوص صريحة. أما إذا كان الامتناع لعذر معتبر شرعًا أو لضرر حقيقي، فلا إثم عليها، بل قد تكون مأجورة إذا قصدت حفظ نفسها. والحل الأمثل في جميع الأحوال هو الحوار، والتفاهم، والرجوع إلى أهل العلم والإصلاح، لأن الزواج شراكة قائمة على المودة لا على الصراع.