سورة الإنسان نور
سورة الإنسان ومنهج الرحمة
الإلهية في تزكية النفس
تُعدّ سورة الإنسان من السور العظيمة التي تخاطب قلب الإنسان وعقله معًا، وتوقظه من غفلته ليُدرك حقيقة وجوده، وغاية خلقه، ومصيره الذي ينتظره. وقد سُمّيت بهذا الاسم لبدئها بلفتٍ إلهي بليغ لحال الإنسان في بداياته، حين لم يكن شيئًا مذكورًا، ثم خُلق وسُوّي وابتُلي، ليكون بعد ذلك مسؤولًا عن اختياره بين طريق الهداية والضلال
.
تبدأ السورة بسؤالٍ تقريري يهزّ المشاعر:
﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾،
وفي هذا تذكير بضعف الإنسان وأصله، حتى لا يغتر بقوته أو علمه أو مكانته، بل يدرك أن كل ما هو فيه نعمة من الله تستوجب الشكر والطاعة
.
ثم تنتقل السورة إلى بيان حكمة الخلق، حيث خلق الله الإنسان وابتلاه، ومنحه السمع والبصر والعقل ليختار، فقال تعالى:
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.
وهنا يظهر جوهر رسالة السورة، وهي أن الإنسان مخيّر ومسؤول، وأن طريق الخير واضح كما أن طريق الشر واضح، والجزاء على قدر الاختيار.
وتتجلّى في سورة الإنسان صورة راقية من صور الإيمان العملي، حين تصف عباد الله الصالحين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل، وبين العبادة والإحسان، فقال تعالى:
﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.
فهؤلاء لم يكن إيمانهم كلمات تُقال، بل التزامًا عمليًا وسلوكًا ظاهرًا في حياتهم.
ومن أعظم ما في السورة وصفها لخلق الإخلاص، حين قالت:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.
وهو درس عظيم لكل إنسان بأن العمل الصالح لا يكتمل إلا بنية صافية خالصة لله، دون انتظار مدح أو مقابل من البشر.
كما تُبرز سورة الإنسان قيمة الصبر، وتجعله مفتاح النجاة، حيث تأمر النبي ﷺ ومن بعده المؤمنين بالصبر والثبات، وعدم الانسياق وراء أهل الغفلة، فالصبر هو زاد الطريق، وهو السبيل لتحمّل التكاليف ومواجهة الابتلاءات.
ثم تنتقل السورة انتقالًا بديعًا إلى وصف نعيم الجنة، فتصفه وصفًا يبعث الشوق في القلوب، من نعيم دائم، وراحة أبدية، وكرامة عظيمة أعدّها الله لعباده الأبرار، جزاءً لهم على صبرهم وإخلاصهم. ويُقابل هذا الوصف تحذيرٌ ضمني لمن أعرض، ليُدرك أن الغفلة عن الآخرة خسارة لا تعوّض
وتلفت سورة الإنسان انتباه الإنسان إلى قيمة الموازنة بين العمل للدنيا والاستعداد للآخرة، فلا ينشغل بمتاع زائل وينسى المصير الأبدي. فالدنيا مرحلة عبور واختبار، والإنسان فيها مطالب بأن يزرع الخير، ويجاهد نفسه على الطاعة، ويتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة. وتؤكد السورة أن الجزاء الحقيقي ليس فيما يجمعه الإنسان من مال أو جاه، بل فيما يقدمه من إخلاص وصبر وتقوى. ومن يتأمل معاني السورة يجد أنها تزرع الطمأنينة في القلب، وتُوقظ الضمير، وتدفع الإنسان إلى مراجعة ذاته وتصحيح مساره..
وتختتم السورة بتأكيد حقيقة كبرى، وهي أن الهداية بيد الله، وأن مشيئته نافذة، ومع ذلك فقد منح الإنسان حرية الاختيار، ليكون الجزاء عدلًا، والثواب فضلًا من الله سبحانه وتعالى.
إن سورة الإنسان ليست مجرد سورة تُتلى، بل منهج حياة متكامل، يُربّي النفس على التواضع، ويغرس فيها الإخلاص، ويُعلّمها الصبر، ويذكّرها بالآخرة، ويضع الإنسان أمام مسؤوليته الحقيقية في هذه الدنيا
