سورة البركة والطمأنينة
سورة الملك وسر البركه والنور والطمأنينة
سورة الملك من السور المكية العظيمة، وعدد آياتها ثلاثون آية، وتُعرف أيضًا باسم المانعة؛ لأنها تمنع صاحبها من عذاب القبر بإذن الله. تبدأ السورة بتعظيم الله سبحانه وتعالى وبيان قدرته المطلقة على الخلق والتدبير، فتزرع في قلب المؤمن الخشية واليقين، وتدعوه للتفكر في عظمة الكون وما فيه من دلائل واضحة على قدرة الخالق.
افتتحت سورة الملك بقوله تعالى:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
وهي آية تحمل معنى شاملاً، تؤكد أن الملك كله بيد الله وحده، لا ينازعه فيه أحد، وأن قدرته لا يحدها حد. هذا الافتتاح القوي يهيئ القارئ لاستقبال معانٍ عظيمة تتعلق بالإيمان والتوحيد واليقين.
وتنتقل السورة للحديث عن خلق الموت والحياة، مبينة أن وجود الإنسان في الدنيا ليس عبثًا، بل هو اختبار حقيقي لعمله وسلوكه. فالحياة ليست بطولها ولا بقصرها، وإنما بحسن العمل فيها. وهذا المعنى يجعل المسلم أكثر وعيًا بتصرفاته، وأكثر حرصًا على الطاعة والبعد عن المعصية.
وتلفت سورة الملك أنظارنا إلى السماء، وإلى إحكام خلقها دون خلل أو تفاوت، ثم تدعونا لإعادة النظر مرة بعد مرة، لنوقن أن هذا الكون لم يُخلق صدفة، وإنما بإتقان عجيب يدل على عظمة الخالق. وهذا التفكر يزيد الإيمان رسوخًا، ويقوّي الصلة بالله عز وجل.
كما تحذر السورة من عذاب جهنم، وتعرض مشاهد مؤثرة لعقاب المكذبين، ليكون ذلك رادعًا للغافلين، وتنبيهًا للقلوب التي قست. وفي المقابل، تبشر الذين يخشون ربهم بالغيب بالمغفرة والأجر الكبير، لتفتح باب الأمل والرجاء لكل من رجع إلى الله بقلب صادق.
ومن أعظم فضائل سورة الملك ما ورد عن النبي ﷺ أنه قال:
"سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غُفر له، وهي سورة تبارك الذي بيده الملك"
وهذا يدل على مكانتها العظيمة، وفضل المواظبة على قراءتها، خاصة قبل النوم، لما لها من أثر في حماية العبد بإذن الله.
وتغرس سورة الملك في النفس معاني التوكل على الله، وتبين ضعف الإنسان وحاجته الدائمة إلى ربه، فلا رزق إلا من عنده، ولا أمان إلا بحفظه، ولا نجاة إلا برحمته. وكلما قرأها المؤمن بتدبر، زاد شعوره بالطمأنينة، وقوي يقينه بأن الله هو المدبر لكل أمر.
وتتجلى عظمة سورة الملك في قدرتها على إيقاظ القلوب الغافلة، فهي لا تخاطب العقل فقط، بل تمسّ الوجدان بعمق. فعند تدبر آياتها يشعر المؤمن بصِغَر حجمه أمام عظمة الكون واتساعه، ويزداد يقينه بأن الله سبحانه وتعالى مطّلع على كل شيء، يعلم السر وأخفى. كما تعلّم السورة الإنسان مراقبة الله في السر قبل العلن، وتزرع فيه الخشية الصادقة التي تدفعه للاستقامة وحسن العمل. ومع التكرار اليومي لقراءتها، تتحول معانيها إلى منهج حياة، فيصبح العبد أكثر صبرًا، وأقرب إلى التوكل الحقيقي، وأشد تعلقًا بالآخرة من زخارف الدنيا الزائلة، مما ينعكس على سلوكه وقراراته وأخلاقه مع الناس.
وفي الختام، تبقى سورة الملك رسالة إيمانية متجددة، توقظ القلب من الغفلة، وتذكر الإنسان بحقيقة الدنيا والآخرة، وتدعوه للاستعداد ليوم اللقاء. فهنيئًا لمن جعلها وردًا ثابتًا في حياته، يتقرب بها إلى الله، وينال فضلها العظيم.
