السلطان عبد الحميد الثاني و كتاب صحيح البخاري بقلم خالد ملوع

السلطان عبد الحميد الثاني و كتاب صحيح البخاري
السلطان عبد الحميد الثاني: آخر السلاطين العثمانيين
يُعدّ السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الذين مارسوا الحكم الفعلي، واشتهر باهتمامه الكبير بالدين والعلم، لا سيما بالسنة النبوية. ومن أبرز مظاهر هذا الاهتمام مشروعه الكبير في طباعة كتاب صحيح البخاري بطريقة علمية دقيقة، ما أفضى إلى ما عُرف لاحقًا بالطبعة السلطانية، التي تُعدّ من أدق النسخ المطبوعة لهذا الكتاب في العالم الإسلامي.
حرصه على الصلاة ومخالطة العلماء
تروي ابنته أن والدها كان يداوم على الصلاة في المساجد الكبرى، وخاصة جامع السليمانية في إسطنبول، وكان حريصًا على مخالطة العلماء والصالحين، للاستفادة من علمهم وخبرتهم. وهناك تعرّف على الشيخ حمزة ظافر، الذي نشأت بينه وبين السلطان علاقة احترام وتقدير متبادل. وقد لاحظ عبد الحميد أن علماء الزوايا كانوا يقرؤون صحيح البخاري في أوقات الأوبئة والمحن، لما يتمتع به الكتاب من مكانة عظيمة في نفوس المسلمين. ومن هنا نشأت لديه قناعة بأن خدمة هذا الكتاب تعني خدمة للإسلام كله وحفظ التراث النبوي.
مشروع الطباعة السلطانية
انطلاقًا من هذا الشعور، أمر السلطان بطباعة نسخة خاصة من صحيح البخاري، وأرسلها إلى المساجد وبلدان المسلمين كافة، تعميمًا للفائدة وتأكيدًا على مكانة السنة النبوية. وقد اختار لهذا المشروع مخطوطة نادرة يملكها الشيخ محمد فالح الظاهري من المدينة المنورة لما تميزت به من ضبط وإتقان، وعين الشيخ لاحقًا مدرسًا للحديث النبوي في القصر السلطاني ليشرف على تدريس الحديث بدقة عالية.
إشرافه على التدقيق العلمي
أشرف السلطان بنفسه على مراحل إخراج الطبعة، واستعان بأبرز العلماء في العالم الإسلامي لضمان أعلى درجات الدقة. وقد نُقلت أعمال المراجعة إلى مصر بإشراف شيخ الأزهر، وشُكّلت لجنة علمية كبيرة ضمت نخبة من كبار المحدثين والعلماء، لمقارنة النسخ المختلفة وتحقيق أصول الكتاب، وإدخال كافة الفروق بين الروايات، مع الإشارات الدقيقة التي وضعها العلماء السابقون لضمان أصالة النص.
الطبعة الأصح والأثر الدائم
وقد أُدخلت في هذه الطبعة جميع التحسينات التي جعلتها أدق نسخة مطبوعة في ذلك العصر. ويؤكد العلماء أن الطبعة السلطانية ما زالت حتى اليوم من أصح النسخ وأكثرها اعتمادًا، رغم تطور وسائل الطباعة والنشر الحديثة. لقد شكلت هذه الطبعة مرجعًا ثابتًا للدارسين والباحثين في الحديث النبوي، وأصبحت معيارًا للنسخ العلمية اللاحقة.
إرث خالد في خدمة الإسلام
إن مشروع عبد الحميد الثاني لم يكن مجرد عمل ثقافي أو علمي، بل كان تعبيرًا صادقًا عن رؤيته لدور الدولة في حماية الدين وخدمة مصادره الأساسية. فكما رعت الدولة العثمانية طباعة المصحف الشريف، فقد رعت أيضًا نشر أصح كتاب بعد القرآن الكريم، ليظل محفوظًا ومتداولًا بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، مؤكدًا قيمة العلم ومكانة الحديث النبوي في بناء الأمة وحفظ هويتها الدينية.
جزاه الله كلب خير