رمضان شهر الإرادة والكرم

رمضان شهر الإرادة والكرم

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

رمضان شهر الإرادة والكرم: مدرسة الروح في بناء الإنسان والمجتمع

image about رمضان شهر الإرادة والكرم

مقدمه 

ها نحن نستقبل ضيفًا كريمًا تُشرق بطلته القلوب، وتتهلل بقدومه النفوس، إنه شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة والغفران. كثيرًا ما نسمع توصيفات لهذا الشهر العظيم، فيُقال إنه شهر الصيام والقيام، أو شهر القرآن والرحمة. إلا أن هناك عنوانين عظيمين يجسدان جوهر هذه الأيام المباركة، وهما "الإرادة" و"الكرم". فاجتماع هذين المعنيين في هذا الشهر بالذات ليس مصادفة، بل هو دليل على أن رمضان يُشكل نقلة نوعية في حياة الفرد والمجتمع . إنها ليست مجرد أيام نمتنع فيها عن الطعام والشراب، بل هي مدرسة ربانية عظمى، يتربى فيها المؤمن على أسمى القيم؛ فيقوي عزيمته، ويرتقي بجوده، ليخرج من هذه الدورة التدريبية الإيمانية إنسانًا أقوى وأكثر عطاءً.

1. رمضان مدرسة الإرادة: بناء الإنسان القوي
عندما نتأمل حقيقة الصيام، نجد أنه يتجاوز كونه مجرد امتناع جسدي. إنه عملية بناء نفسي وروحي عميقة تهدف إلى صناعة الإنسان القوي القادر على التحكم في زمام نفسه. إن الصوم هو الميدان الفسيح الذي يتعلم فيه الإنسان كيف ينتصر على ذاته وهواه قبل أن يطمح لتحقيق الانتصارات الخارجية .

التحرر من سلطان العادة
ما أجمل وصف رمضان بأنه "ميقات لامتلاك زمام النفس، ومعراج للتحرر من سلطان العادات" . ففي الحياة اليومية، قد نقع في أسر عاداتنا ورغباتنا، فتصبح أنماط حياتنا ثقيلة لا نستطيع فكاكًا منها. يأتي رمضان ليُحدث زلزلة إيجابية في هذا الروتين، فيُخرج الإنسان من ضيق المعصية والرتابة إلى سعة الطاعة والانضباط. والمثال الأوضح على ذلك هو المدخن الذي يزعم طوال العام أنه لا يستطيع الإقلاع عن هذه العادة، ثم يأتي رمضان فيتركها طواعية طيلة ساعات النهار، وربما طوال الشهر، ليس بسبب قانون يلزمه، بل بدافع إيماني وقوة إرادة استمدها من صيامه. هذا يثبت أن الإرادة موجودة، لكنها كانت تحتاج إلى شحنة روحية لتفعل فعلها .

الصيام وتزكية النفس
لقد حدد القرآن الكريم الغاية العظمى من الصيام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] . فالتقوى هي الثمرة المرجوة، وهي تعني ضبط النفس ومراقبة الله في السر والعلن. وهذا هو جوهر الإرادة؛ أن تملك "فرامل" نفسية توقفك عند حدود الله، ليس فقط فيما يتعلق بالمحرّمات، بل وحتى في المباحات، فتمسك عن الطعام والشراب والحلال ابتغاء وجه الله. وهنا تتجلى الحكمة التي ذكرها الإمام ابن الهمام: "شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا: سُكُونُ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَكَسْرُ سَوْرَتِهَا" . فإذا جاعت النفس، شبعت جميع الأعضاء عن الآثام، وإذا شبعت، جاعت كلها إلى المعاصي .

image about رمضان شهر الإرادة والكرم

ضبط الانفعالات: قمة الإرادة
تتجلى الإرادة الصادقة في قدرة الصائم على ضبط انفعالاته. إن تعاليم النبي ﷺ في هذا المقام واضحة جلية، حيث يقول: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ» [رواه البخاري]. إنها دعوة صريحة للارتقاء عن مستوى الرد على الإساءة بمثلها. فالصائم الحقيقي هو الذي يستعلي بروحه على الانفعالات الجارفة، ويملك نفسه عند الغضب، ليكون كما وصفه الحديث: "إِنِّي صَائِمٌ"، أي أن صومي يمنعني من مقابلة الإساءة بالإساءة بهذا المعنى، يصبح رمضان ورشة عمل لصناعة الإنسان المتزن، صاحب المبدأ والكلمة، الذي لا تزلزله العواصف .

2. شهر الكرم: من إغناء الفقراء إلى ترميم القلوب
إذا كانت الإرادة تختص ببناء الداخل وتقويته، فإن الكرم هو الامتداد الطبيعي لهذه القوة نحو الخارج. فالإرادة حين تستقر في القلب، تفيض على الجوارح بذلًا وعطاءً وإحسانًا -1. ولذلك يقترن هذان المفهومان في هذا الشهر، ليصنعا إنسانًا متكاملًا، قويًا في ذاته، كريمًا مع غيره.

أسوة حسنة: جود النبي ﷺ في رمضان
ما من أسوة أسمى في هذا الباب من رسول الله ﷺ. فقد كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، حتى كان جوده ﷺ أسرع وأعم من الريح المرسلة . وقد ذكر الإمام ابن الجوزي حكمًا جليلة لزيادة جوده عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر، منها: أن رمضان شهر فاضل تتضاعف فيه الصدقات، وأن إعطاء الناس فيه إعانة لهم على الطاعة، وأن كثرة الجود هي شكر لله على نعمه المتوالية في هذا الشهر الفضيل. فكان جوده عليه الصلاة والسلام يجمع بين البذل المادي والعطاء المعنوي.

من الإمساك إلى العطاء: صناعة التكافل
الصيام يُذكّر الإنسان بحق بجوع الفقراء، فيحول هذا الألم من مجرد خبر يُسمع إلى تجربة تُعاش. فالصائم يشعر بمعاناة المحتاج، فتتفتق قريحته عن رغبة في العطاء ومد يد المساعدة. وقد حثنا الله على المسارعة في ميادين العطاء فقال: {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 133-134] . إن هذا الكرم ليس نقصًا في المال، بل هو نماء وبركة كما أخبر الصادق المصدوق: «مَا نَقَصَ مَالٌ مِنْ صَدَقَةٍ» [رواه مسلم]. فالإرادة هنا تمكن الإنسان من التحرر من أسر الشح الذي يعيق انطلاقه، تحقيقًا لقوله تعالى: {وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16].

الكرم الشامل: سلوك وأخلاق
يتسع مفهوم الكرم في رمضان ليشمل العطاء المعنوي. فالكرم الحقيقي لا يكتمل إلا برقي السلوك وسمو الأخلاق؛ فتبسمك في وجه أخيك صدقة، وكف الأذى عن الناس صدقة، والكلمة الطيبة صدقة. الصائم الذي يفيض قلبه بالرحمة عند المشادة، ويصوم لسانه عن الغيبة والنميمة، هو الإنسان الذي فهم جوهر الصوم.   هذا هو الكرم الذي يُحدث نقلة في المجتمع، فيحوله إلى مجتمع متراحم متكافل، يفيض على بعضه بالسكينة والوقار، فيكون الصائم أمانًا وسلامًا لكل من حوله .

3. ثمرة الإرادة والكرم: إصلاح الذات وعمران المجتمع
إن الصيام ليس نهاية بحد ذاته، بل وسيلة لغاية أعظم. إن الإرادة التي يصنعها الصيام، والكرم الذي يغرسه في النفوس، هما أداتان لتغيير الذات وإعمار الكون. فالمسلم بعد رمضان مطالب بأن يكون عنوانًا لشهره طوال العام. قوة الإرادة تمكنه من مواجهة مصاعب الحياة بعزيمة لا تلين، كما أن روح الكرم تجعله عضوًا فاعلًا في مجتمعه، يسعى لنفع الناس، مستشعرًا قول النبي ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ».

إن رمضان بهذا المفهوم هو مشروع نهضة متكامل. يبدأ من إصلاح الباطن باليقين الخالص، ليصل إلى إعمار الظاهر بالرفق والعمل. هو دعوة لكل فرد ليكون صاحب قرار، ومريدًا حقيقيًا للتغيير، وبانيًا للمجتمع الذي ينشده بروح العطاء والجود .

الخلاصة
إن شهر رمضان المبارك هو هدية ربانية تتجدد كل عام، نعبر فيها إلى بر الأمان الروحي ونتزود بالقيم التي تعيننا على الحياة. هو المدرسة التي نتعلم فيها كيف نكون أقوياء بإرادتنا، وكرماء بعطائنا. فمن استطاع أن يخرج من هذا الشهر وقد امتلك زمام نفسه، وأطلق العنان لجوده، فقد نال خيري الدنيا والآخرة. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل صيامنا وسيلة لبناء أنفسنا وإعمار أوطاننا، إنك على كل شيء قدير.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد علام تقييم 5 من 5.
المقالات

25

متابعهم

11

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.