في زمن الفتن: عودة إلى ذكر الله.. غذاء الروح ودواء القلب

في زمن الفتن: عودة إلى ذكر الله.. غذاء الروح ودواء القلب

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

 

 

في زمن الفتن والتشتت، يقف الإنسان حائراً بين ضجيج الدنيا وصمت الروح. لكن القرآن ينادينا نداءً لا ينقطع: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. هذه الآية ليست مجرد كلمات تُتلى في المصاحف، بل هي دستور حياة، ووصفة إلهية لكل داء يُصيب النفس البشرية في هذا العصر السريع المليء بالملهيات.

القلب – يا عباد الله – هو مركز الإنسان الحقيقي. ليس القلب اللحمي الذي ينبض بالدم، بل القلب الذي ينبض بالإيمان واليقين والخشية والمحبة لله. وهذا القلب يمرض، يعمى، يتصلب، بل قد يموت تماماً، ثم – برحمة الله – يُحيا من جديد. والأمراض التي تُصيبه اليوم أشد خطراً من أي وقت مضى: الرياء، الحسد، الكِبر، حب الدنيا والتعلق بها، الغفلة الطويلة، الاستهانة بالذنوب، وتأجيل التوبة.

في عصر الشاشات والإشعارات، أصبحت الغفلة وباءً عالمياً. يقضي الإنسان ساعات طويلة يتنقل بين التطبيقات والأخبار والمقاطع، وينسى أن يتنقل بين آيات كتاب ربه. الشيطان يُزين له صورة الغد الموعود: "غداً سأتوب.. بعدين هبدأ أصلي.. لما أكبر شوية هألتزم". لكن الموت لا ينتظر أحداً، والقبر لا يسأل عن العمر، والحساب قادم لا محالة.

الذكر هو السلاح الأقوى الذي أعطانا إياه الله لمواجهة هذا الواقع المُر. ليس الذكر مجرد ترديد كلمات باللسان، بل هو حالة قلبية شاملة: أن تعيش وأنت تشعر أن الله يراك في كل لحظة، يسمع همسك، يعلم ما تخفي وما تعلن. أن تمشي وكأنك في محضر الله، تأكل وكأن الله ينظر إليك، تتحدث وكأن كلماتك تُكتب في صحيفتك.

والذكر له مراتب عجيبة ينبغي أن نسعى للارتقاء فيها:

أعلاها: الذكر المستمر الذي يمتد حتى في النوم والغفلة الظاهرية، وهو مقام الصدّيقين والمقربين.

ثم ذكر القلب مع اللسان معاً.

ثم ذكر اللسان مع حضور القلب ولو قليلاً.

وأدناها: ذكر اللسان مع غفلة القلب، وهو لا يزال خيراً من السكوت.

تأملوا حال السلف الصالح: كانوا يعدّون أنفاسهم ذكراً، ويحاسبون أنفسهم قبل أن تُحاسب. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن". وكان الحسن البصري يبكي ويقول: "يا ابن آدم، إنما أنت أيام، فإذا ذهب يومك ذهب بعضك".

اليوم نحن – أكثر من أي وقت مضى – بحاجة ماسة لإعادة اكتشاف قوة الذكر. ليس كعبادة إضافية نفعلها حين نجد وقتاً، بل كغذاء يومي للروح، ودواء للهم، ونور يُضيء الطريق وسط ظلمات الفتن.

فلنبدأ الآن، لا غداً:

اجعل لسانك رطباً بـ "سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله".

اجعل بيتك يعلو فيه صوت القرآن كل يوم.

علّم أولادك "لا إله إلا الله" قبل أن يتعلموا أي أغنية أو شعار.

اجعل دموعك في السجود دليلاً على صدق رجوعك إلى الله.

فإن لم نعد نحن إلى الله، فمن يعود؟ وإن لم نُصلح قلوبنا، فمن يُصلح أمتنا؟

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: 124]

اللهم اجعلنا من الذاكرين لك، الشاكرين لك، المطمئنين بذكرك، الفائزين برضاك. آمين.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
آدم أحمد الليثي تقييم 0 من 5.
المقالات

1

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.