سعيد بن عامر الجمحي: من شاهد الإعدام إلى أمير الشهداء.

سعيد بن عامر الجمحي: من شاهد الإعدام إلى أمير الشهداء.

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

سعيد بن عامر الجمحي: من شاهد الإعدام إلى أمير الشهداء.

image about سعيد بن عامر الجمحي: من شاهد الإعدام إلى أمير الشهداء.

عندما نبحث في سير الصحابة، نقف على كنوز من العبر لا تنضب. من بين هؤلاء الرجال العظماء، يبرز اسم "سعيد بن عامر الجمحي" رضي الله عنه، ذلك الرجل الذي دخل الإسلام من أوسع أبوابه: باب التأمل والبحث عن الحقيقة.

المشهد الأول: التنعيم.. حيث زرع الموت بذور الإيمان

كان سعيد بن عامر شابًا يافعًا من أشراف بني جمح. خرج يومًا مع جمع من قريش إلى منطقة التنعيم (قرب مكة) ليشهد مشهدًا كان القوم يظنونه تسلية: إنه يوم إعدام الصحابي الجليل خبيب بن عدي .

صُلب خبيب، وقبل أن يلفظ أنفاسه، استأذن أن يصلي ركعتين. صلى خبيب بخشوع جعله لا يلتفت إلى الموت المخيم عليه. ثم نظر إلى قريش وقال كلمته الخالدة: "والله لولا أن تقولوا إن بي جزعًا من الموت لاستكثرت من الصلاة" .

وقف سعيد بن عامر يراقب. رأى جسدًا يمزق، وسمع قريشًا تسأل خبيبًا: "أتحب أن محمدًا مكانك؟" فكانت الصدمة الكبرى حين قال خبيب ودماؤه تسيل: "والله ما أحب أني في أهلي وولدي، وأن محمدًا يُشاك بشوكة" . ثم رفع رأسه إلى السماء داعيًا على قريش.

عاد سعيد إلى بيته، لكن خبيبًا لم يغب عن خياله. كان يراه في منامه، ويسمع دعاءه في يقظته. بدأ يتساءل: من هذا الرجل الذي يموت هذا الموت من أجل صاحبه؟ ومن هو ذلك النبي الذي يُحب هذا الحب؟ تلك الأسئلة كانت المفتاح الذي فتح به الله صدره للإسلام .

المشهد الثاني: في المدينة.. الجهاد والصحبة

هاجر سعيد بن عامر إلى المدينة، ولزم النبي ﷺ. شهد معه غزوة خيبر وما بعدها. تعلم من مدرسة النبوة معنى الزهد والإخلاص. بعد وفاة النبي ﷺ، كان سيفًا مسلولًا بجانب أبي بكر وعمر، حتى قال عنه المؤرخون: "هو رجل اشترى الآخرة بالدنيا" .

المشهد الثالث: ولاية حمص.. أمير لا يملك قوت يومه

في خلافة عمر بن الخطاب، عرض الخليفة على سعيد أن يتولى إمارة حمص (في الشام). تردد سعيد خوفًا من الفتنة، لكن عمر أصر .

ذهب سعيد إلى حمص، وبعد فترة، أرسل عمر بعض الثقات ليتفقدوا أحوال الناس. سألهم عن الفقراء ليعينهم، فرفعوا له قائمة بأسماء المحتاجين. وفوجئ عمر بأن اسم "سعيد بن عامر" نفسه كان في القائمة! قالوا: "أميركم فقير؟! والله إنه لتمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار" .

بكى عمر حتى بلّت دموعه لحيته. أرسل إلى سعيد ألف دينار مع رسالة: "استعن بها على قضاء حاجاتك". فلما وصلت الدنانير إلى سعيد، فوجئت به زوجته يدفعها بعيدًا ويقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون!" ظنّت أن مصيبة وقعت، فسألت مذعورة: أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم! قالت: أأصيب المسلمون؟ قال: بل أعظم! قالت: فما هو؟ قال: "دخلت علي الدنيا لتفسد آخرتي" .

رفض سعيد أن يدخر شيئًا، ووزع الدنانير كلها على فقراء المسلمين .

المشهد الرابع: شكوى أهل حمص

زار عمر بن الخطاب الشام يتفقد أحوال الرعية. ولما وصل حمص، اجتمع به أهلها يشكون أميرهم سعيدًا! ذكروا أربع مآخذ:

1. لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار.

2. لا يجيب أحدًا بليل.

3. له يوم في الشهر لا يخرج فيه أبدًا.

4. يُغمى عليه أحيانًا في وسط النهار .

جمع عمر بين سعيد وبينهم ليسأله. فكان رد سعيد:

· أما تأخري إلى ارتفاع النهار: فليس عندنا خادم، فأعجن بنفسي، ثم أنتظر حتى يختمر العجين، ثم أخبز، ثم أتوضأ وأخرج .

· أما عدم إجابي بالليل: فقد جعلت النهار لهم، والليل لربي.

· أما اليوم الذي لا أخرج فيه: فليس لي خادم يغسل ثيابي، فإذا غسلتها انتظرت يومًا حتى تجف، ثم أخرج في المساء .

· أما الغشي الذي يصيبني: فحين أتذكر مشهد خبيب بن عدي وهو يُصلب، وكيف تركت قريشٌ نصرتَه، يخطر على بالي أني كنتُ معهم يومها، فأخشى ألا يغفر الله لي، فيُغشى عليَّ .

هنا بكى عمر، وعانق سعيدًا، وقال: "الحمد لله الذي لم يخيّب ظني بك" .

العبرة

هكذا كان الصحابة. رجال عاشوا في الدنيا وأرواحهم متعلقة بالجنة. سعيد بن عامر، الذي بدأ حياته متفرجًا على مشهد الإعدام، تحول إلى بطل من أبطال الإسلام، لا لأنه كان يبحث عن منصب أو مال، بل لأنه بحث عن الحقيقة فوجدها في صحبة النبي ﷺ.

اللهم ارزقنا صدقهم وإخلاصهم.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Asem Araby تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

1

متابعهم

1

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.