"عبرت الصراط.. والأهول لم يأتِ بعد"

"عبرت الصراط.. والأهول لم يأتِ بعد"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الجزء الثالث والأخير | الاستقرار الأبدي

 

image about

 

من الصراط حتى الأبدية

عبرت الصراط.
قدماك لا تزالان ترتجفان.
قلبك لا يزال يدق بسرعة جنونية.
والنار التي كانت تحتك لا تزال تزفر.
لكنك عبرت.
وقفت على الجانب الآخر. نجوت. لكن الرحلة لم تنتهِ بعد.
لأن ما ينتظرك الآن.. أعظم مما مررت به كله.


أولًا: القنطرة.. المحطة الأخيرة قبل الجنة
حين يتوقف المؤمنون بين الجنة والنار
من نجا من الصراط لم يدخل الجنة مباشرة.
هناك محطة أخيرة.
قنطرة بين الجنة والنار.
يقف عليها المؤمنون. وهنا تقع المرحلة الأخيرة والأهم من القصاص. ليس القصاص بين المؤمنين والكافرين. بل القصاص بين المؤمنين أنفسهم.
كل مظلمة صغيرة بقيت بين إنسانين مؤمنين تُستوفى هنا.
كلمة جارحة. حق أُخذ. غيبة. نميمة. أي شيء لم يُحسم في الدنيا ولم يُعفَ عنه.
يقفون على القنطرة حتى يتم القصاص بينهم ويُطهَّروا تمامًا.
ثم وفقط بعدها..
يُؤذن لهم بدخول الجنة.
والسؤال الذي يجب أن يقضّ مضجعك
هل بينك وبين أحد مظلمة الآن؟
كلمة واحدة تقولها اليوم تُنهي وقوفك على القنطرة غدًا.


ثانيًا: جهنم.. الحقيقة التي نتجنب التفكير فيها
حين تُجاء جهنم
"وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ"
جهنم لا تأتي وحدها.
تُجاء.
يُؤتى بها يوم القيامة ولها سبعون ألف زمام. مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها.
حين يراها الكافر يتجمد في مكانه.
قلبه يتوقف.
ويتمنى لو يفتدي بكل من يحب:
"يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمَئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ"
أبناؤه. زوجته. أخوه. كل من يحبهم.
يتمنى أن يدفعهم جميعًا ثمنًا للنجاة.
لكن لا ينفع.
طبقات جهنم السبع
جهنم ليست مكانًا واحدًا.
هي سبع طبقات تزداد في شدة العذاب كلما نزلت:
الأولى: جهنم لعصاة المسلمين.
الثانية: لظى للمشركين. نار تتلظى وتشتعل.
الثالثة: الحطمة التي تحطم كل شيء يُلقى فيها.
الرابعة: السعير نار مستعرة لا تهدأ.
الخامسة: سقر التي قال الله عنها: "لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ"
السادسة: الجحيم للمتكبرين والظالمين.
السابعة: الهاوية وهي الأشد عذابًا. للمنافقين في الدرك الأسفل.
"إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ"
حرارة لا يتخيلها عقل
نار الدنيا جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم.
سبعين جزءًا.
يعني لو أخذت نار جهنم وقسّمتها على سبعين، الجزء الواحد هو نار الدنيا كلها.
وأهون أهل النار عذابًا رجل في أخمص قدميه جمرتان فقط.
جمرتان صغيرتان في القدمين.
تغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل.
هذا أهون عذاب في جهنم.
فكيف بأشده؟
عذاب لا ينتهي
في جهنم لا موت ولا راحة.
كلما نضجت جلودهم من الحرارة بدّلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب من جديد.
ويطلبون الموت للراحة فيُنادى عليهم:
"يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ"
يا مالك.. قل لربك يُميتنا.
فيُقال لهم: ستمكثون هنا إلى الأبد.
حوار أهل النار مع أهل الجنة
يرى أهل النار أهل الجنة في نعيمهم.
فيُنادونهم في ذل وانكسار:
"أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ"
نقطة ماء واحدة فقط.
فيُقال لهم:
"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ"
لا ماء. ولا طعام. ولا راحة.
إلى الأبد.
حين يرى الكافر منزله في الجنة
من أشد أنواع العذاب على الكافر في الآخرة أن يُريه الله المنزل الذي كان يمكن أن يكون له في الجنة لو آمن.
يرى قصوره.
وأنهاره.
وكل نعيمه.
ثم يُقال له: هذا كان لك لو آمنت.
فتتضاعف حسرته.
ويزداد عذابه.


ثالثًا: المؤمنون العصاة.. بين النار والجنة
هل يدخل المسلم النار؟
نعم.
المسلم العاصي الذي لم يغفر الله له قد يدخل النار.
لكن بفارق واحد وعظيم.
لن يخلد فيها.
يُعذَّب بقدر ذنوبه ثم يخرج برحمة الله أو بشفاعة الشافعين.
شفاعات يوم القيامة
في ذلك اليوم تتعدد الشفاعات:
شفاعة النبي ﷺ وهي الكبرى في أهل الكبائر من أمته.
وشفاعة الأنبياء كل نبي يشفع في أمته.
وشفاعة العلماء والشهداء والصالحين.
وشفاعة المؤمنين في إخوانهم.
وشفاعة الأطفال الذين ماتوا صغاراً في آبائهم.
وشفاعة القرآن يقول: يا رب إني منعته النوم بالليل فشفّعني فيه.
وشفاعة الصيام يقول: يا رب إني منعته الطعام والشهوة فشفّعني فيه.
والسؤال الذي لا مفر منه:
هل تقرأ القرآن؟ وهل تصوم؟
لأن هذين سيشفعان لك في ذلك اليوم.
إخراج الموحّدين من النار
يظل الله يُخرج من النار من كان في قلبه ذرة إيمان.
ذرة.
فقط ذرة.
يُخرجون محترقين فيُلقون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل.
ويُسمّيهم أهل الجنة: الجهنميون. عتقاء الله من النار.


رابعًا: الجنة.. ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
حين تُفتح أبواب الجنة
تُزيَّن الجنة وتُبهج لاستقبال أهلها.
وتُفتح أمامهم أبوابها الثمانية.
وتستقبلهم الملائكة بالتحية والسلام:
"سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ"
سلام عليكم.
طبتم.
ادخلوها خالدين.
ثلاث كلمات تُنهي كل ألم. وكل خوف. وكل حزن.
أول ما يقوله أهل الجنة
حين يستقرون في الجنة ويطمئنون يقولون:
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ"
الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن.
كل حزن الدنيا. كل قلق. كل خوف. كل ألم.
ذهب كله.
في لحظة واحدة.
نعيم لا يوصف
قال النبي ﷺ: "فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"
قصور من ذهب وفضة ومرجان ولؤلؤ.
لبنة من ذهب ولبنة من فضة وملاطها المسك الأذفر.
أنهار من ماء غير آسن. وأنهار من لبن. وأنهار من عسل مصفى.
وأشجار لا تنقطع ثمارها. شجرة طوبى يسير الراكب في ظلها مئة سنة لا يقطعها.
وكل ما تتمناه يتحقق في الحال.
لا يُقال لك لا.
أبدًا.
أهل الجنة.. كيف يكونون؟
يدخل أهل الجنة على صورة آدم عليه السلام. طولهم ستون ذراعًا. وجوههم كالقمر ليلة البدر. عمرهم ثلاثة وثلاثون سنة إلى الأبد.
لا يشيخون.
لا يمرضون.
لا يموتون.
ولا يحزنون.
"وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ"
تُنزع كل ضغينة وكل حقد من قلوبهم.
فيجلسون إخوانًا متحابين.
ينظر بعضهم إلى بعض.
درجات الجنة
الجنة ليست مكانًا واحدًا.
هي درجات ومنازل لا حصر لها.
قال النبي ﷺ: "إن في الجنة مئة درجة أعدّها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض"
وأعلاها وأعظمها الفردوس الأعلى.
فوقه عرش الرحمن.
ومنه تتفجر أنهار الجنة.
قال ﷺ: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس"


خامسًا: أعظم نعيم الجنة.. اللحظة التي لا توصف
رؤية الله سبحانه وتعالى
كل ما قرأته حتى الآن.
القصور. والأنهار. والحور. والنعيم.
كل هذا ليس أعظم نعيم الجنة.
أعظم نعيم الجنة لحظة واحدة.
لحظة يتجلى فيها الله لأهل الجنة.
"وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ. إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ"
يجتمع أهل الجنة في كل جمعة في وادٍ يقال له وادي الأفيح.
فيتجلى الله لهم.
فينسون كل نعيم الجنة.
كل القصور. وكل الأنهار. وكل ما فيها.
ينسونها كلها من فرط ما يرون.
ويرجعون إلى بيوتهم وقد ازداد نورهم وجمالهم وبهجتهم.
فتقول لهم أزواجهم: لقد ازددتم جمالاً وبهاءً!
فيقولون: وأنتم كذلك.
قال النبي ﷺ: "فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه"
تلك هي الجنة الحقيقية.
ليست في القصور.
ولا في الأنهار.
بل في لحظة واحدة مع الله.


سادسًا: الموت يُذبح.. والخلود يبدأ
اللحظة التي تتوقف عندها القلوب
يأتي الموت يوم القيامة في صورة كبش أملح.
فيُوقف بين الجنة والنار.
ثم يُذبح.
فيُنادى:
"يا أهل الجنة خلود فلا موت."
"يا أهل النار خلود فلا موت."
فيزداد أهل الجنة فرحًا على فرح.
ويزداد أهل النار حزنًا على حزن.
الموت مات.
والخلود بدأ.
الخاتمة.. رسالة إليك أنت
أنت الآن أنهيت الرحلة كاملة.
من أشراط الساعة في الجزء الأول.
إلى البعث والحشر والصراط في الجزء الثاني.
إلى الجنة والنار والأبدية في هذا الجزء.
رحلة كاملة رسمها الله في القرآن ووصفها النبي ﷺ بالتفصيل.
لكن كل هذا الكلام لن يُفيدك إذا قرأته وأغلقت الصفحة وعدت لحياتك كما كانت.
الفرق بين من يدخل الجنة ومن يدخل النار ليس في العبقرية. ولا في المال. ولا في الجاه.
الفرق في قرارات بسيطة تتخذها كل يوم.
صلاة تُصلّيها في وقتها.
توبة تعقدها قبل أن تنام.
مظلمة ترفعها عن كاهلك.
قرآن تقرأه فيشفع لك.
صيام تصومه فيقف بجانبك.
الباب لا يزال مفتوحًا.
والقلم لا يزال يكتب.
والتوبة لا تزال مقبولة.
"وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ"
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. واجعل خير أعمالنا خواتيمها. وأحسن أحوالنا يوم نلقاك. وأدخلنا الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. آمين.
انتهت الرحلة.. لكن الاستعداد لها لم ينتهِ أبدًا 🤲

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Yasmen Esayed تقييم 5 من 5.
المقالات

6

متابعهم

4

متابعهم

2

مقالات مشابة
-