غزة كاشفة الوجوه: مَن أنت حين تحترق الأمة؟
غزة كاشفة الوجوه: مَن أنت حين تحترق الأمة؟
مقدمة: حين تنكشف الأقنعة
ثمة لحظات في التاريخ لا تُشبه غيرها، لحظات تشتعل فيها الأرض وتتشقق فيها السماء، فلا يبقى فيها مكان للرمادي ولا للمواقف الملتوية، لحظات تُسقط الأقنعة وتكشف الوجوه وتُعرّي القلوب. غزة اليوم ليست مجرد معركة عسكرية على بقعة من الأرض، بل هي **محكٌّ إلهي** من محكّات الزمان، تُختبر فيه الأمة بمجموعها — حكامًا ومحكومين، علماءً ومثقفين، شعوبًا ومنظمات، أفرادًا وجماعات.
حين تحترق الأمة، يتبيّن المعدن الحقيقي لكل إنسان. يتبيّن من هو المؤمن الذي تنزّ دماؤه حين تُراق دماء إخوته، ومن هو المنافق الذي يتقلّب في نعيمه وينعق بشعارات الحرص وهو أبعد الناس عن الحرص. غزة ليست أزمة سياسية تُحلّ بالبيانات والتصريحات، بل هي **ميزان الله في الأرض**، يضع فيه كلَّ واحد منا نفسه، شاء أم أبى.
فمن أنت حين تحترق الأمة؟
---
الفتنة الكاشفة: سنّة إلهية لا تتبدّل
لم يكن الابتلاء يومًا عقوبةً فحسب، بل هو قبل ذلك **تمحيصٌ وتمييز**، وسنّة الله في خلقه أن يجعل الشدائد غرابيل تُفرز الذهب من الرمل، والمؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب. يقول الله عزّ وجل:
> **﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾** [العنكبوت: 2-3]
الآية صريحة لا تحتمل التأويل: الإيمان ليس كلمةً تُقال على اللسان وتُكتب في الهوية، بل هو **موقف يُختبر**، وعهد يُوفى به أو يُخان. وغزة بكل ما فيها من دماء الأطفال وأنين المسنّين وصرخات الثكلى، إنما هي تلك الفتنة الإلهية التي تكشف حقيقة كل من يدّعي الانتماء لهذه الأمة.
ولا غرابة في ذلك، فقد كانت المعارك الكبرى في تاريخ الإسلام دائمًا **محطات فرز لا محطات حشد فحسب**. فبدر فرّقت بين المؤمنين الصادقين والمترددين، وأحد كشفت عن ثغرة الطمع بعد أن انكشف الرماة، والخندق أسقطت أقنعة المنافقين بشكل لم يسبق له مثيل، حتى إن الله عزّ وجلّ أفرد لهذا الموقف آيات من سورة الأحزاب لا تُنسى:
> **﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾** [الأحزاب: 12]
هؤلاء كانوا يُصلّون خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ويصومون في رمضان، ويُحيّون المسلمين في الأسواق. لكنهم حين جاءت المحنة، انكشف ما في قلوبهم: شكٌّ في وعد الله، وهروب من الميدان، وإحباط للمجاهدين.
---
## ملامح المنافق في مرآة غزة
لا يلبس المنافق اليوم نفس ثوب منافقي المدينة، لكن ملامحه القلبية واحدة لا تتغير. النفاق ليس لقبًا يُلصق ببساطة، بل هو **حالة قلبية وسلوكية** تتجلّى في مواقف الشدة وتختفي في أيام الرخاء. والمتأمل في المشهد الراهن حول غزة يجد هذه الملامح ماثلة بوضوح مُربك:
### أولًا: التخذيل وإطفاء الحماس
قال الله تعالى في وصف المنافقين يوم الأحزاب:
> **﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾** [الأحزاب: 18]
"المعوِّقون" — أي الذين يُعيقون ويُثبّطون. واليوم يتجلى هذا في صور متعددة: من يُثبّط الداعمين لغزة باسم "الواقعية"، ومن يُشكك في المقاومة باسم "الحكمة"، ومن ينصح بالصمت باسم "مصلحة الأمة". كلهم يقولون بلسان الحال والمقال: **"هلمّ إلينا"** — أي اتركوا هذا الطريق وتعالوا إلى السلامة والاستسلام.
وقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: **"آيةُ المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان"**. وأيّ خيانة أعظم من خيانة الأمة في أشد لحظاتها؟
### ثانيًا: الموالاة المستترة لأعداء الأمة
يقول الله عزّ وجل:
> **﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾** [المائدة: 52]
المسارعة إلى الأعداء مع تبرير ذلك بـ"الخوف" و"المصلحة" و"الواقعية" — هذا بالضبط ما نراه حين يُطبّع بعض العرب والمسلمين مع الاحتلال، أو حين تُرسل دول تُسمّي نفسها إسلامية صفقات الأسلحة والوقود، أو حين يقف زعيم أو مفتٍ أو مثقف مسلم إلى جانب القاتل ويُسمّي ذلك "توازنًا". الخوف من "الدائرة" لم يكن عذرًا يوم الخندق، وليس عذرًا اليوم.
### ثالثًا: النفاق الإعلامي والكلامي
من أشد ما تكشفه غزة: **النفاق المنبري**. خطيب يبكي في الجمعة على أهل غزة ثم يقوم بعدها بالتصفيق لمن يحاصرها. مثقف يكتب عن حقوق الإنسان ثم يُبرر القصف بـ"تعقيد الصراع". مسؤول يقول "ندعم الشعب الفلسطيني" وعلاقاته الاقتصادية مع الاحتلال في أعلى مستوياتها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: **"مَثَلُ المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة"** — رواه مسلم. إنه ذلك الذي لا موقف له، يتأرجح بين الحق والباطل، يخاف أن يخسر الطرفين فيخسر نفسه.
---
## الصادقون: الوجه الآخر للمشهد
لكن غزة لم تكشف وجوه المنافقين فحسب، بل كشفت أيضًا **وجوه الصادقين** في كل مكان. كشفت أطفالًا في الغرب يخرجون بلافتاتهم دفاعًا عن غزة رغم ضغوط محيطهم. وكشفت علماءً قالوا الحق وتحملوا عواقبه. وكشفت شعوبًا مسلمة وغير مسلمة قالت بصوت واضح: "هذا ظلم لا نقبله".
وهذا بالذات هو المشهد الذي وصفه الله حين قال عن المؤمنين الصادقين في الأحزاب:
> **﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾** [الأحزاب: 23]
"ما بدّلوا تبديلًا" — هذه الكلمات الأربع هي الفرق بين المؤمن والمنافق. الثبات على المبدأ حين يكون الثمن باهظًا، والموقف الواضح حين يكون الغموض أريح وأسلم. هذا هو الإيمان الذي يُعوّل عليه ويُبنى به التاريخ.
---
## درس ابن أُبيّ الذي لم نتعلمه بعد
عبد الله بن أُبيّ بن سلول — زعيم المنافقين في المدينة — لم يكن يجاهر بعدائه، بل كان يُحسن الحديث ويُجيد إظهار الحرص. حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحد بألف مقاتل، رجع ابن أُبيّ بثلاثمائة وقال: **"لِمَ نقتل أنفسنا وما ندري علام نُقاتل؟"** وادّعى أن رأيه لم يُؤخذ، وأن الحرب لا طائل من ورائها.
نظرةٌ في المشهد الراهن تُذكّرنا بأن هذا الخطاب لم يمت. اليوم يخرج من يقول: "ما الجدوى من المقاومة؟"، و"لماذا لا يقبل أهل غزة الحلول المطروحة؟"، و"الحرب لن تُجدي"، و"دعونا نكون واقعيين". كل هذه العبارات تحمل عطر ابن أُبيّ، وإن لبست ثياب العقلانية والبراغماتية.
والمؤلم أن ابن أُبيّ كان يصلّي في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. أما منافقو اليوم فيظهرون في أرقى المنتديات الدولية ويُصدّرون أنفسهم ممثلين لصوت "الإسلام المعتدل". لكن الله لا تخفى عليه خافية:
> **﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾** [البقرة: 77]
---
## حين يتكلم الصمت
من أشد الأشياء التي كشفتها غزة: **الصمت المدروس**. فثمة فرق كبير بين صمت العاجز وصمت الراضي وصمت الخائف وصمت الشريك. وكثير من المواقف المعلنة اليوم ليست صمتًا في حقيقتها، بل هي **إعلان مقنّع للموقف**.
حين يصمت عالمٌ عن جريمة مرئية بالأقمار الاصطناعية ومباشرة على الهواء، فصمته فتوى. وحين يصمت حاكمٌ وهو يملك أدوات الضغط، فصمته قرار. وحين يصمت مثقفٌ يملأ منصاته بالكلام في كل شيء، فصمته اختيار.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: **"من رأى منكم منكرًا فليُغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"** — رواه مسلم. فأين نضع أولئك الذين لا يُغيّرون باليد ولا باللسان، وقلوبهم لا تُنكر لأنها لا ترى أصلًا؟
---
## غزة والحساب الأبدي
ثمة ما هو أهم من مآلات المعركة العسكرية، وهو **مآلات الموقف يوم القيامة**. وهذا ليس خطابًا وعظيًا فضفاضًا، بل هو حقيقة تُحكم تشكيل الهوية الإنسانية وتُحدد الانتماء الحقيقي.
يقول الله عز وجل:
> **﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾** [الشعراء: 88-89]
القلب السليم هو الذي لا نفاق فيه، الذي وافقت ظاهره باطنه، والذي حين اشتعلت غزة لم يبحث عن مصلحته أولًا، بل بحث عن موقفه أمام الله أولًا.
ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وصحّحه: **"مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"**. فهل نحن جسدٌ واحد؟ أم أننا أعضاء مبتورة تنظر إلى الألم ولا تشعر به؟
---
## سؤال للمرآة
حين تقرأ هذه السطور، أنت وحدك، بعيدًا عن رأي الناس وتصفيقهم، اسأل نفسك:
- ماذا فعلتَ وأنت تُشاهد غزة تحترق؟
- هل غيّرتَ شيئًا في سلوكك الاقتصادي أو الاجتماعي؟
- هل قلتَ الحق ولو كان ثمنه باهظًا؟
- هل دعوتَ لهم بصدق، أم أن "الموضوع" أصبح مجرد ترند يمر؟
- هل أنت من الذين يُحيون الليل بينما يُقصف الليل على إخوانهم، أم أن نومك لا يُعكّره شيء؟
لا يوجد جواب صح وخطأ للعرض — لكن الله يعلم الجواب الحقيقي.
---
## خاتمة: الأمة لا تموت
على الرغم من كل هذا الألم، وكل هذا الخذلان، وكل هذا النفاق — ثمة حقيقة راسخة يجب أن تبقى في القلب: **هذه الأمة لا تموت**. أمّة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لها وعدٌ إلهي لا يُخلَف:
**﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾** [النساء: 141]
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: **"لا تزال طائفة من أمتي يُقاتلون على الحق ظاهرين، لا يضرّهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله"** — متفق عليه. غزة نفسها، بكل ما فيها من حصار ودمار، أنتجت **نموذجًا إنسانيًا** لم تعهده البشرية في كثير من حروبها: أطفال يحفظون القرآن تحت القصف، وأمهات يزغردن لاستشهاد أبنائهن ثقةً بالله، ومقاومون يصمدون بأسلحة متواضعة أمام جيش يُعدّ من أعتى جيوش العالم.
غزة كشفت وجوهًا كثيرة — قبيحة وجميلة، منافقة وصادقة، خائفة وشجاعة. وحين يكتب التاريخ هذه الصفحة، سيسأل: “في أيّ خانة كنتَ أنت؟”
الجواب الآن — قبل فوات الأوان — بيدك.
---
*"إنَّ اللهَ لا يُغيِّرُ ما بقومٍ حتى يُغيِّروا ما بأنفسِهم"* — [الرعد: 11]
