عقد الحسد و كيف تحل هذه المشكله
عقدة الحسد

كانت ليلى ومريم صديقتين منذ الطفولة، ترعرعتا في حي واحد، ودرستا في مدارس متقاربة، وتشاركتا الضحك والدموع على مقاعد الدراسة. لكن الأيام فرقت بين دروبهما؛ ليلى أكملت دراستها الجامعية بتفوق وحصلت على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى، بينما تزوجت مريم مبكرًا واكتفت بالبيت والأولاد.
لم تكن مريم تشعر بالضيق في البداية، فقد كانت سعيدة بزوجها وأطفالها. لكن مع كل لقاء جمعها بليلى، كانت ترى حياتها تتألق أكثر: ترقية جديدة، منزل فخم، سيارة حديثة، سفر إلى الخارج في الإجازات. بدأ قلبها ينكمش ببطء دون أن تشعر. كانت تبتسم في وجه ليلى، وتقول لها بحرارة مصطنعة: "ما شاء الله، تبارك الله، ربنا يزيدك من فضله"، لكن في داخلها كان هناك غصة لا تزول، وشعور بالظلم يلف روحها.
ذات ليلة، بعد عودتها من حفل عشاء في منزل ليلى الفاخر، جلست مريم تحدث زوجها بحدة غير معتادة: "انظر إلى ليلى! أصبحت مديرة فرع كامل، وتسافر أوروبا كل سنة، وأنا لا أزال هنا أعاني مع مصروف البيت الضيق وهموم الأولاد!" نظر إليها زوجها بحزن عميق وقال: “هل تنسين أن الرزق بيد الله وحده؟ حسدك هذا سيأكل حسناتك كما تأكل النار الحطب. ألا تخافين أن يفارقنا البركة بسبب لسانك وقلبك؟”
لم تنم مريم تلك الليلة. تقلبت في فراشها، شعرت بثقل غريب في صدرها، ومرارة تملأ فمها رغم أنها لم تأكل شيئًا. جلست تصلي ركعتين في جوف الليل، ثم فتحت المصحف على آية الكرسي ورددتها بخشوع، فبكت بكاءً مرًا طويلاً. أدركت فجأة أنها تحسد أقرب صديقة لها منذ الطفولة، وأن هذا المرض الخبيث يقضي على روحها قبل أن يقضي على علاقتها بليلى. تذكرت قول الله تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}، فازداد يقينها أنها بحاجة إلى تطهير قلبها.
في الصباح، صلّت الفجر بخشوع لم تشعر به منذ شهور، ورفعت يديها بالدعاء من أعماقها: "اللهم طهر قلبي من الحسد، وبارك لليلى فيما أعطيتها ولا تضرني بها، وارزقني القناعة والرضا، ولا تحرمني من فضلك الواسع." ثم أرسلت رسالة صادقة إلى ليلى: “أحبك في الله يا غالية، وأسأله أن يزيدك من خيره ويبارك لك فيما رزقك.”
كان رد ليلى سريعًا ودافئًا: “وأنا أحبك أكثر، تعالي غدًا على الفطور عندي، اشتقت إليك.”
ذهبت مريم إلى منزل ليلى، وقبل أن تدخل قالت بصوت خافت: "اللهم صل على سيدنا محمد، اللهم ادفع عني العين والحسد، واجعلني من الراضين القانعين." كانت تبتسم بصدق لأول مرة منذ شهور، وارتاحت روحها كمن خلع عنها ثقلاً ثقيلاً.
جلستا تتحدثان كالأخوات، واعترفت مريم بضعفها باكية: "سامحيني يا ليلى، كنت أحسدك دون أن أشعر، لكني تبت إلى الله واستغفرته." فاحتضنتها ليلى باكية بدورها: “كلنا نخطئ، والتوبة الصادقة تفتح الأبواب المغلقة، وأنا أحبك وأدعو لك.”
نزلت الآية على قلب مريم كالنور: {وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (الفلق 5). عرفت حينها أن الحسد ليس مرضًا يضر المحسود أبدًا، بل هو سهم مسموم يقتل صاحبه أولاً قبل أن يصل إلى غيره.
النصيحة الختامية: احذر أيها القارئ من داء الحسد، فإنه يحرق حسناتك ويسلب طمأنينة قلبك. وإذا رأيت نعمة عند غيرك، فقل: "اللهم بارك له ولا تبتليني بها، وأعطني من خيرك ما ترضاه لي." وتذكر أن القناعة كنز لا يفنى، وأن الدعاء للمؤمنين بظهر الغيب يرد البلاء ويزيد الرزق. طهّر قلبك بالحب والرضا، تَسعد في دنياك وتَفز في أخراك.