حين تُفتح أبواب السماء في اللحظة الأخيرة
حين تُفتح أبواب السماء في اللحظة الأخيرة
في مدينة مزدحمة بالحياة والناس، كان يعيش شاب يُدعى “مازن”. كان مازن شابًا ذكيًا وطموحًا، لكنه مع مرور الوقت انشغل بالدنيا أكثر من اللازم. بدأ يومه ينشغل بالدراسة والعمل، ثم انتهى به الأمر إلى صحبة سيئة جعلته يبتعد شيئًا فشيئًا عن الصلاة والعبادة، حتى أصبحت تمر عليه الأيام دون أن يذكر الله إلا نادرًا.
في البداية، كان يشعر بوخز في قلبه كلما ترك فرضًا أو تأخر عن صلاة، لكنه كان يبرر لنفسه دائمًا: “سأعود لاحقًا، ما زال الوقت مبكرًا.” ومع الأيام، أصبح هذا التأجيل عادة، ثم تحول إلى غفلة كاملة.
كان مازن يعيش حياة مليئة بالضجيج، لكنه في داخله كان يشعر بصمت مؤلم، كأنه فراغ لا يملؤه شيء. حاول أن يملأ هذا الفراغ بالترفيه والأصدقاء والسفر، لكن الشعور بالضيق كان يعود دائمًا في نهاية اليوم.
وفي ليلة من الليالي، عاد مازن إلى منزله متأخرًا بعد يوم طويل ومرهق. كان المطر ينزل بغزارة، والشارع شبه فارغ. وبينما كان يسير، سمع صوت أذان الفجر يعلو من مسجد قريب، صوت هادئ لكنه قوي بطريقة غريبة، كأنه يناديه هو تحديدًا.
توقف مازن للحظة. لم يكن يتذكر آخر مرة صلى فيها الفجر في وقته. شعر بشيء غريب داخله، خليط من الحنين والندم. وقف تحت المطر، ينظر إلى المسجد، وكأن هناك صراعًا داخليًا يدور بداخله.
دخل المسجد بخطوات بطيئة، وجلس في الصف الأخير. كان المكان هادئًا، والناس يقفون بين يدي الله في خشوع. لم يستطع أن يمنع دموعه من النزول. شعر أنه غريب عن هذا المكان، لكنه في نفس الوقت ينتمي إليه.
بعد الصلاة، جلس الإمام بجانبه دون أن يعرفه، وقال له بلطف:
“أتعلم؟ الله لا يمل من انتظار عبده، نحن فقط من نتأخر.”
هذه الكلمات كانت كالسهم الذي أصاب قلب مازن مباشرة. لم يقل شيئًا، لكنه شعر أن كل سنوات الغفلة تمر أمام عينيه في لحظة واحدة.
عاد إلى بيته في ذلك الصباح وهو شخص مختلف. لم يتخذ قرارًا كبيرًا فجأة، لكنه بدأ خطوة صغيرة: صلى الفجر في اليوم التالي، ثم الذي بعده، ثم بدأ يقرأ القرآن حتى لو بضع آيات فقط.
لم يكن الطريق سهلًا. كان يعود أحيانًا للغفلة، لكنه كان يعود أسرع إلى الله كل مرة. بدأ يبتعد عن رفاق السوء تدريجيًا، ويبحث عن بيئة جديدة تساعده على الثبات.
ومع مرور الوقت، تغير مازن تمامًا. لم يصبح شخصًا مثاليًا، لكنه أصبح قريبًا من الله، أكثر وعيًا، وأكثر هدوءًا من الداخل. أدرك أن السعادة الحقيقية ليست في كثرة ما يملك الإنسان، بل في قربه من خالقه.
وفي يوم من الأيام، وهو جالس في المسجد نفسه، تذكر كيف دخل إليه أول مرة وهو ضائع، وابتسم وقال في نفسه:
“لو لم أرجع يومها… لربما ضعت للأبد.”
وهكذا فهم مازن أن أبواب السماء لا تُغلق أبدًا، وأن الله ينتظر عبده مهما ابتعد، فقط ليعود بصدق.