لحظة نزول الوحي الأول: الليلة التي أضاءت العالم بنور الإسلام

لحظة غيّرت مجرى التاريخ: نزول الوحي الأول على الرسول صلى الله عليه وسلم
مقدمة: عندما سكن الليل… وتكلّم النور
في أعالي جبال مكة بعيدًا عن صخب الأسواق وأصنام قريش وضجيج الحياة كان رجلٌ يتأمل السماء وقلبه يبحث عن الحقيقة. لم يكن يعلم أن تلك الليلة ستصبح أعظم ليلة في تاريخ البشرية وأن الصمت الذي يلفّ غار حراء سيتحول بعد لحظات إلى بداية رسالةٍ أضاءت العالم كله.
كانت مكة آنذاك تغرق في ظلمات الجاهلية عبادة أصنام وظلم وتفرقة بين الناس حتى ضاقت نفس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بما يراه حوله. فكان يعتزل الناس أيامًا طويلة في غار حراء يتأمل الكون ويتفكر في خالق هذا العالم العظيم.
وفي ليلةٍ من ليالي رمضان حدث الأمر الذي لم يكن يتوقعه أحد…
غار حراء… المكان الذي بدأ منه النور
يقع غار حراء في جبل النور وكان مكانًا هادئًا بعيدًا عن ضوضاء مكة. هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقضي وقته في العبادة والتأمل. كان يشعر أن لهذا الكون سرًا أعظم من عبادة الأحجار والأصنام.
وفي تلك الليلة المباركة كان السكون يملأ المكان والنجوم تتلألأ في السماء بينما يجلس محمد صلى الله عليه وسلم وحيدًا داخل الغار. فجأة، تغيّر كل شيء.
ظهر جبريل عليه السلام أمامه في صورة مهيبة لم يرَ مثلها من قبل فامتلأ المكان رهبةً وعظمة. اقترب الملك من النبي صلى الله عليه وسلم وقال كلمةً ستظل خالدة إلى يوم القيامة:
اقرأ
ارتجف قلب الرسول صلى الله عليه وسلم وقال بخوفٍ ودهشة:
ما أنا بقارئ
فضمّه جبريل عليه السلام ضمةً شديدة حتى بلغ منه الجهد ثم أرسله وقال مرة أخرى:
اقرأ
وردّ النبي صلى الله عليه وسلم بنفس الإجابة، فتكرر الأمر ثلاث مرات حتى نزلت أول آيات القرآن الكريم:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
كانت تلك الكلمات إعلانًا لبداية أعظم رسالة عرفتها الأرض.
خوف النبي صلى الله عليه وسلم وعودته إلى خديجة رضي الله عنها
بعد هذه اللحظات المهيبة خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من الغار وقلبه يرتجف من شدة ما رأى. كان يشعر بثقل الحدث وعظمته فنزل من الجبل مسرعًا حتى وصل إلى بيته.
دخل على زوجته خديجة رضي الله عنها وهو يقول:
زملوني زملوني
فغطّته بثوبه وهدأته حتى سكن خوفه ثم أخبرها بما حدث في الغار. كانت خديجة رضي الله عنها أول من آمن به وصدّقه ولم تتردد لحظة في دعمه فقالت كلماتٍ خالدة تبعث الطمأنينة في قلبه:
كلا والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق
كانت تلك الكلمات بداية الدعم العظيم الذي احتاجه الرسول صلى الله عليه وسلم في أول طريق الدعوة.
لماذا كانت كلمة “اقرأ” هي البداية؟
من أعظم الأمور التي تلفت الانتباه أن أول كلمة نزلت من القرآن لم تكن أمرًا بالقتال أو العبادة بل كانت:
اقرأ.
وكأن الرسالة الإسلامية جاءت لتعلن أن العلم هو أساس نهضة الإنسان وأن الجهل هو أول عدو للبشرية. لقد بدأت الدعوة الإسلامية بدعوةٍ إلى التفكير والتعلم والتأمل ليعرف الإنسان ربه ويعمر الأرض بالخير.
أثر نزول الوحي على العالم
لقد صنعت تلك اللحظة أمةً كاملة وأقامت حضارةً عظيمة قامت على العلم والعدل والرحمة. وما زال صدى كلمة اقرأ يتردد في العالم منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا.
خاتمة: ليلة لم تكن ككل الليالي
لم تكن ليلة نزول الوحي مجرد حدثٍ عابر بل كانت ولادة نورٍ جديد للبشرية كلها. ففي غارٍ صغير فوق جبلٍ هادئ بدأت أعظم قصة عرفها التاريخ قصة الإسلام ورسالة الرحمة والهداية.
وكلما قرأنا عن تلك اللحظة ندرك أن الله سبحانه وتعالى اختار محمدًا صلى الله عليه وسلم ليكون نورًا للعالمين وأن بداية هذا النور كانت بكلمةٍ واحدة… غيّرت العالم إلى الأبد:
اقرأ .