الاقتران الكريم القرآن ليس كتابا تقرأه بل هو اتصال الروح بمصدرها

الاقتران الكريم القرآن ليس كتابا تقرأه بل هو اتصال الروح بمصدرها

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

image about الاقتران الكريم القرآن ليس كتابا تقرأه بل هو اتصال الروح بمصدرها

ما يُلقى ولا يُقال

| الاقتران الكريم |

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين

والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ

ليس أعظمُ الضياعِ أن يبتعدَ العبدُ عن الطريق

بل أن يظنَّ أنه على الطريقِ وهو منفصلٌ عن روحه

فكم من جسدٍ يتحركُ بين الناسِ ميتٌ من الداخل

وكم من عينٍ تنظرُ للدنيا وهي لا ترى حقيقتها

لقد ظنَّ أكثرُ الخلقِ أن القرآنَ كتابُ معلوماتٍ وأخبار

وغفلوا أنه كتابُ اقترانٍ بين النفسِ والروح

فما سُمِّي القرآنُ قرآنًا عبثًا ولا صدفةً ولا مجازًا

بل لأنه يقرنُ المنفصلَ بأصلِه الذي انقطع عنه

فالإنسانُ ليس لحمًا وعظمًا وصورةً تمشي بين الطرقات

بل هو سرٌّ أودعه الله داخلَ صورةٍ من تراب

له جسدٌ خُلق من الأرضِ ويعودُ إلى الأرضِ يومًا

وله روحٌ نفخها اللهُ فيه من بحرِ كرمه

وله نفسٌ تنمو بين النورِ والظلمةِ كلَّ يوم

فتصيرُ مرآةً لما اختارته من اقترابٍ أو بعد

فإن مالت النفسُ إلى الطينِ وحده هلكت ببطء

وإن اقترنت بالروحِ أشرقت فيها معاني الحياة

ولهذا كانت الأخلاقُ ليست زينةً اجتماعيةً بين الناس

بل علاماتِ اتصالٍ أو دلائلَ انفصالٍ عن الأصل

فالرحمةُ ليست تصرفًا لطيفًا كما يظنُّ الغافلون

بل أثرُ اقترانِ النفسِ بروحٍ أكرمها الرحمن

والحكمةُ ليست كثرةَ قراءةٍ ولا جمعَ كلماتٍ منثورة

بل نورُ اقترانٍ يظهرُ داخلَ القلبِ المستقيم

والسكينةُ ليست راحةَ أعصابٍ مؤقتةٍ كما يظنون

بل حضورُ مددٍ خفيٍّ يسري داخلَ الروح

ولهذا ترى بعضَ الناسِ يملكون كلَّ شيءٍ ويختنقون

وترى آخرينَ لا يملكون شيئًا ولكنهم في نعيم

لأن النعيمَ الحقيقيَّ ليس فيما حولَ الجسدِ أبدًا

بل فيما يصلُ إلى الروحِ من مددِ الاقتران

وهنا يغفلُ أكثرُ الخلقِ عن أخطرِ أسرارِ القرآن

أنه ليس كتابَ أوامرَ فقط كما توهَّموا طويلًا

بل كتابُ إعادةِ ضبطِ النفسِ على ترددِ الروح

حتى تعودَ الصورةُ البشريةُ إلى استقامتها الأولى

فالقرآنُ ليس كلماتٍ تُتلى لتحصيلِ الثوابِ فقط

بل نداءُ وصلٍ إلهيٍّ لمن انقطعت داخله الحياة

ولهذا كانت بعضُ الآياتِ تهزُّ الأرواحَ هزًّا عجيبًا

لأنها تخاطبُ ما قبلَ الجسدِ داخلَ الإنسان

تخاطبُ العهدَ القديمَ الذي شهدتْه الأرواحُ أولًا

حين قال الحقُّ العظيمُ ألستُ بربكم جميعًا

فالروحُ تعرفُ اللهَ قبلَ أن يولدَ الجسدُ أصلًا

لكن النفسَ تُنسى حين تنغمسُ في ظلمةِ الدنيا

فيأتي القرآنُ ليوقظَ هذا العهدَ المنسيَّ داخلها

فتبدأُ النفسُ في التذكرِ بعد طولِ غفلة

ولهذا يشعرُ البعضُ ببكاءٍ لا يفهمون سببَه أحيانًا

حين يسمعون آيةً مست قفلًا قديمًا بداخلهم

إنها ليست مشاعرَ عابرةً كما يفسرها العقلُ القاصر

بل اهتزازُ النفسِ حين يقتربُ منها أصلُها

فالقرآنُ لا يُقرأُ فقط بل يُقترنُ به اقترانًا

كما يقترنُ الجهازُ بالشبكةِ الخفيةِ دون أن يراها

أنت لا ترى الموجاتِ تسري داخلَ الهواءِ حولك

لكن أثرَ الاتصالِ يظهرُ فورَ تحققِ الاقتران

وكذلك الروحُ حين تتصلُ بمددِ القرآنِ الكريم

يتغيرُ كلُّ شيءٍ داخلَ النفسِ دون ضجيج

يتغيرُ النظرُ والكلامُ والشعورُ وموازينُ الأشياء

ويبدأُ القلبُ يرى ما لم يكن يراه سابقًا

لأن النورَ إذا دخلَ كشفَ حقائقَ كانت مخفية

وأظهرَ للإنسانِ حجمَ غفلته الطويلةِ المؤلمة

وهنا تبدأُ الحسرةُ الكبرى يومَ تنكشفُ الحقيقة

حين يعلمُ الناسُ ماذا هجروا بأيديهم سنينًا

حين يدركون أن القرآنَ لم يكن كتابَ ثقافةٍ عادية

ولا نصوصًا دينيةً تُتلى في المناسباتِ فقط

بل كان بابَ النجاةِ الوحيدِ من الانفصالِ الداخلي

وكان الجسرَ بين النفسِ وروحِ النفخةِ الأولى

لكنهم استبدلوا الاقترانَ الحقيقيَّ بضوضاءِ الدنيا الثقيلة

فانقطعتْ نفوسُهم عن مددِ النورِ الإلهي

ولهذا كثرتِ الوحشةُ رغم كثرةِ وسائلِ التواصل

وكثرتِ الأمراضُ رغم تطورِ كلِّ وسائلِ العلاج

لأن أصلَ العطبِ ليس في الجسدِ وحده دائمًا

بل في انقطاعِ النفسِ عن نورِ الاقترانِ الكريم

فالروحُ لا تموتُ كما يموتُ الجسدُ الفاني

لكن النفسَ قد تهلكُ وهي تسيرُ بين الناس

تهلكُ حين تنفصلُ عن المعنى الذي خُلقت له

وحين تظنُّ أن الحياةَ مجردُ أكلٍ ونجاةٍ وشهوة

ولهذا لم يكن الشيطانُ حريصًا على قتلِ البشر

بقدرِ حرصه على فصلِ النفسِ عن روحها

فإذا تحققَ الانفصالُ صار الإنسانُ جسدًا بلا نور

وصار يسمعُ الحقَّ ولا يشعرُ به أبدًا

وهنا نفهمُ لماذا قستْ قلوبُ كثيرٍ من الناس

رغم سماعهم القرآنَ ليلًا ونهارًا بلا انقطاع

لأن السماعَ وحده لا يصنعُ الاقترانَ الكامل

ما لم تُسلِّم النفسُ وجهَها للنورِ بصدق

فالقرآنُ لا يفتحُ أبوابَه للمتكبرين على الحقيقة

ولا لمن يريدون استعمالَه دون خضوعٍ لله

إنه نورُ ولايةٍ وليس مجردَ كلماتٍ محفوظة

ولهذا قال اللهُ يهدي به من اتبع رضوانه

فالهدايةُ ليست معلوماتٍ تضافُ داخلَ العقلِ فقط

بل انتقالُ النفسِ من الانفصالِ إلى الوصل

ولهذا كان الصراطُ المستقيمُ طريقَ اقترانٍ دائم

لا طريقَ شعائرَ جافةٍ بلا حضورٍ داخلي

فكم من مصلٍّ لم يصلْ قلبُه إلى اللهِ يومًا

وكم من تالٍ للقرآنِ بقي بعيدًا عن نوره

لأن القضيةَ ليست كثرةَ الأفعالِ وحدها دائمًا

بل حقيقةُ الاتصالِ القائمِ خلفَ هذه الأعمال

فإن اقترنتِ النفسُ بالنورِ استقامتْ صورتُها الداخلية

وظهرَ الجمالُ الإلهيُّ على أخلاقِ صاحبها

وصار كلامُه رحمةً ونظرُه رحمةً وسعيُه رحمة

لأن الروحَ تمدُّ النفسَ من بحرِ الكرمِ الرباني

أما إذا انقطعتْ عن هذا المددِ العظيمِ تمامًا

تحولتِ النفسُ إلى ساحةِ صراعٍ لا ينتهي

فتأكلُها الشهوةُ والخوفُ والحسدُ والكبرياءُ والفراغ

وتظنُّ أن مزيدَ الدنيا سيملأُ هذا الجوع

ولا تعلمُ أن الجوعَ الحقيقيَّ ليس جوعَ الجسد

بل جوعُ النفسِ للعودةِ إلى أصلِها الأول

ولهذا يبقى الإنسانُ هاربًا من نفسهِ طولَ عمره

لأنه يشعرُ داخله بانفصالٍ لا يستطيعُ تفسيره

فيبحثُ عن الراحةِ في المالِ أو الناسِ أو الشهرة

ولا يدركُ أن الراحةَ كانت قريبةً منه دائمًا

كانت في كتابٍ هجره وهو يظنُّ نفسه واعيًا

وكانت في آياتٍ مرَّ عليها دون تدبرٍ يومًا

وكانت في نداءٍ ربانيٍّ يريدُ إعادتهُ إلى نفسه

لكن ضجيجَ الدنيا كان أعلى من صوتِ الفطرة

وسيأتي يومٌ يرى الناسُ فيه الحقيقةَ كاملةً واضحة

يومَ تنكشفُ الحجبُ وتسقطُ أوهامُ الغافلين

ويقولُ المنفصلون عن النورِ بحسرةٍ لا توصف

يا ويلنا إنا كنا عن هذا غافلين

كنا نظنُّ القرآنَ حروفًا تُقرأُ ثم تُنسى سريعًا

وما علمنا أنه كان بابَ الحياةِ الحقيقية

كنا نظنُّ أن النعيمَ خارجَ أرواحِنا البعيدة

وما علمنا أن النعيمَ يبدأُ من الاقترانِ بالله

كنا نبحثُ عن كلِّ شيءٍ إلا مصدرِ الأشياء

ونسينا أن كلَّ حسنٍ من آثارِ الاقتران

فلا نورَ يظهرُ على عبدٍ من تلقاءِ نفسه

ولا سكينةَ تدومُ دون مددٍ من الرحمن

ولا رحمةَ تفيضُ من قلبٍ مقطوعٍ عن أصله

ولا علمَ حقيقيًّا يولدُ داخلَ نفسٍ مظلمة

ولهذا كان القرآنُ رحمةً للعالمين جميعًا

لأنه يعيدُ الإنسانَ إلى صورتهِ التي خُلِق لها

يعيدُه من التشتتِ إلى الجمعِ ومن القسوةِ إلى النور

ومن الانفصالِ إلى الاقترانِ الكريمِ بالله

فطوبى لمن فتحَ قلبَه لهذا النداءِ العظيم

وطوبى لمن أعادَ ضبطَ نفسهِ على نورِ الروح

وطوبى لمن أدركَ أن القرآنَ ليس كتابًا عاديًا

بل سرُّ الوصلِ بين العبدِ وربِّ العالمين 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mohamed Elrayq تقييم 5 من 5.
المقالات

16

متابعهم

6

متابعهم

70

مقالات مشابة
-