إن مع العسر يسراً

إن مع العسر يسراً

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

إن بعد العسر يسرآ

إنسان بعد الجوع شبع، وبعد الظمأ ري، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، سوف يصل الغائب، ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾.

​بشِّر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال، ومسارب الأودية، بشِّر المهموم بفرج مفاجئ يصل في سرعة الضوء، ولمح البصر، بشِّر المنكوب بلطف خفي، وكف حانية وادعة.

​إذا رأيت الصحراء تمتد وتمتد، فاعلم أن وراءها رياضاً خضراء وارفة الظلال.

​إذا رأيت الحبل يشتد ويشتد، فاعلم أنه سوف ينقطع.

​مع الدمعة بسمة، ومع الخوف أمنٌ، ومع الفزع سكينة.

​النار لا تحرق إبراهيم الخليل، لأن الرعاية الربانية فتحت نافذة ﴿بَرْداً وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.

image about إن مع العسر يسراً
 

​البحر لا يغرق كليم الرحمن، لأن الصوت القوي الصادق نطق بـ ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾.

​المعصوم في الغار بشَّر صاحبه بأنه وحده جل في علاه معنا؛ فنزل الأمن والفتح والسكينة.

​إن عبيد ساعاتهم الراهنة، وأرقاء ظروفهم القاتمة، لا يَرَوْنَ إلا النكد والضيق والتَّعاسة، لأنهم لا ينظرون إلا إلى جدار الغرفة، وباب الدار فحسب. ألا فليمدوا أبصارهم وراء الحجب، وليطلقوا أعنة أفكارهم إلى ما وراء الأسوار.

​إذاً فلا تضق ذرعاً فمن المحال دوام الحال، وأفضل العبادة انتظار الفرج، الأيام دول، والدهر قُلَّب، والليالي حبالى، والغيب مستور، والحكيم كل يوم هو في شأن، ولعلَّ الله يحدث بعد ذلك أمراً، وإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً. ​أسباب النزول والمضمون العام

​نزلت السورة في فترة حرجة من الدعوة الإسلامية، حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يواجه أذىً شديداً وتكذيباً من مشركي قريش، مما كان يتسبب في ثقل وضيق في صدره الشريف. فجاءت السورة لامتصاص هذا الألم وتذكيره بالنعم العظيمة التي اختصه الله بها، وتأكيد أن المعاناة لن تدوم.

​تبدأ السورة باستفهام تقريري يحمل امتناناً إلهياً: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، وهو تذكير بتطهير قلبه الشريف وملئه بالهدى والإيمان ليتسع لتحمل أعباء الرسالة. ثم تنتقل إلى النعمة الثانية وهي: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ والمقصود بها تخفيف الأعباء والهموم الثقيلة التي كانت تثقل كاهله. ثم تأتي منزلة رفع الذكر: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، حيث قُرن اسم النبي صلى الله عليه وسلم باسم الله تعالى في الأذان، والتشهد، والخطب، وهو تكريم لم ينله بشر قط.القاعدة الذهبية: إن مع العسر يسراً

​تضم السورة واحدة من أعظم القواعد القرآنية التي تُعيد الأمل للنفوس: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾.

والتكرار هنا ليس مجرد تأكيد لفظي، بل يحمل سرًا لغويًا وبلاغيًا دقيقًا أشار إليه المفسرون وعلماء اللغة؛ فالعلماء يقولون: "لن يغلب عسرٌ يُسرين".

​السبب اللغوي: كلمة "العسر" جاءت مُعرّفة بالألف واللام (معرفة)، مما يعني أن العسر في الآية الأولى هو نفسه العسر في الآية الثانية (عسر واحد). بينما كلمة "يسراً" جاءت تنكيراً (نكرة)، والنكرة إذا تكررت أفادت التغاير، مما يعني أن اليسر الأول غير اليسر الثاني (أي هما يسران مختلفان).

​المعنى العميق: الآية تبين أن اليسر لا يأتي بعد العسر فقط، بل هو ملازم ومصاحب له (باستخدام ظرف المصاحبة "مع")، ففي قلب كل محنة تولد منحة، ومع كل ضيق يفتح الله مخرجاً.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
محمد احمد علي تقييم 0 من 5.
المقالات

2

متابعهم

1

متابعهم

3

مقالات مشابة
-