أتقى الله قدر ما أستطعت
تَقْوَى الكَلِمَة: حِينَمَا يَكُونُ لِسَانُكَ مِيزَانَكَ
فِي زَمَنِ الشَّاشَاتِ المَفْتُوحَةِ وَالتَّدَفُّقِ الرَّقَمِيِّ المُرْتَبِكِ، تَحَوَّلَتِ الكَلِمَةُ مِنْ مُجَرَّدِ نُطْقٍ عَابِرٍ إِلَى قَضِيَّةِ مَصِيرٍ؛ فَإِمَّا بِنَاءٌ أَوْ هَدْمٌ. أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي حَدِيثِكَ يَعْنِي أَنْ تَجْعَلَ عَلَى فَمِكَ حَارِساً قَبْلَ أَنْ تَنْطِقَ، وَعَلَى أَنَامِلِكَ رَقِيباً قَبْلَ أَنْ تَكْتُبَ. لَيْسَ المَطْلُوبُ مِنْكَ الصَّمْتَ المُطْلَقَ، بَلْ أَنْ تَزِنَ أَثَرَ كَلَامِكَ: هَلْ يُجْبِرُ خَاطِراً؟ هَلْ يَنْشُرُ حَقِيقَةً؟ أَمْ أَنَّهُ يَزِيدُ العَالَمَ زِحَاماً بِالشَّائِعَاتِ وَالخُصُومَاتِ؟ إِنَّ تَقْوَى الحَدِيثِ هِيَ أَنْ تَمْتَلِكَ الشَّجَاعَةَ لِكَبْحِ جِمَاحِ رَغْبَتِكَ فِي الرَّدِّ المُؤْذِي، وَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ "مَا لَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ". اِجْعَلْ كَلِمَاتِكَ مَمَرّاً آمِناً لِلْقُلُوبِ، فَمَنْ لَا يَمْلِكُ التَّقْوَى فِي لِسَانِهِ، يَفْقِدُ جُزْءاً كَبِيراً مِنْ نقاء روحه وحيائه وطيبت قلبه ،فنصيحه :حافظ على طيبت قلبلك لان الطيبين احب الى الله من الخبيثين ،
قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم _«يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ».
مَدْرَسَةُ الفَارُوقِ: التَّقْوَى حِينَمَا تُصْبِحُ سَيْراً بَيْنَ الشَّوْكِ
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَتَعَلَّمَ التَّقْوَى عَمَلِيّاً، فَتَأَمَّلْ مَدْرَسَةَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حِينَمَا سَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ التَّقْوَى، فَأَجَابَهُ أُبَيٌّ بِسُؤَالٍ ذَكِيٍّ: "أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقاً ذَا شَوْكٍ؟" قَالَ: بَلَى، قَالَ: "فَمَا عَمِلْتَ؟" قَالَ: شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ، فَقَالَ أُبَيٌّ: "فَذَلِكَ التَّقْوَى". هَذَا هُوَ عُمَرُ، العِمْلَاقُ الَّذِي كَانَ يَخَافُ أَنْ تَعْثُرَ بَغْلَةٌ فِي العِرَاقِ فَيُسْأَلَ عَنْهَا. وَلَكِنْ، هَلْ تَعْلَمُ كَيْفَ كَانَتْ تَقْوَاهُ تَزْلْزِلُ كِيَانَهُ؟ كَانَ الفَارُوقُ إِذَا غَضِبَ أَوْ هَمَّ بِأَمْرٍ، وَقَالَ لَهُ أَحَدٌ: "اتَّقِ اللَّهَ يَا عُمَرُ"، جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَانْهَمَرَتْ دُمُوعُهُ بَكَّاءً خَشْيَةً وَتَعْظِيماً لِلَّهِ، فَيَسْكُنُ غَضَبُهُ فَوْراً؛ لِأَنَّ قَلْبَهُ كَانَ حَيّاً لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِهَانَةَ بِاسْمِ اللَّهِ.
أَنْ تَتَعَلَّمَ التَّقْوَى مِنَ الفَارُوقِ يَعْنِي أَنْ تَمْشِيَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِقَلْبٍ يَقِظٍ مِثْلِ قَلْبِهِ، تَتَفَادَى شَوْكَ الذُّنُوبِ، وَتَخْضَعُ كُلَّمَا ذُكِّرْتَ بِاللَّهِ. فَإِنْ أَصَابَكَ شَوْكُ التَّقْصِيرِ يَوْماً -وَكُلُّنَا يُصِيبُهُ- عُدْتَ لِتُشَمِّرَ مِنْ جَدِيدٍ بِاسْتِطَاعَتِكَ، دُونَ أَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ السَّيْرِ.
اتَّقِ اللَّهَ فِي صَلَاتِكَ: رِحْلَةُ الرُّوحِ المُنْقِذَة
لَيْسَتِ الصَّلَاةُ مُجَرَّدَ حَرَكَاتٍ نُؤَدِّيهَا بِآلِيَّةٍ لِنُسْقِطَ الفَرْضَ عَنْ كَاهِلِنَا، بَلْ هِيَ المَلْجَأُ الَّذِي نُسْقِطُ فِيهِ هُمُومَنَا. أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي صَلَاتِكَ يَعْنِي أَنْ تَمْنَحَهَا أَعَزَّ مَا تَمْلِكُ: حُضُورَكَ. اِجْتَهِدْ أَنْ تَدْخُلَ مِحْرَابَهَا بِقَلْبٍ مُتَجَرِّدٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْ تُجَاهِدَ شَتَاتَ عَقْلِكَ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِكَ؛ فَإِنْ سَهَوْتَ فَعُدْ، وَإِنْ شَرَدْتَ فَاسْتَغْفِرْ وَأَقْبِلْ مِنْ جَدِيدٍ. تَقْوَى الصَّلَاةِ لَا تَعْنِي الخُشُوعَ المِثَالِيَّ الَّذِي لَا يَغْفُلُ ثَانِيَةً -فَنَحْنُ بَشَرٌ- بَلْ تَعْنِي الصِّدْقَ فِي المُحَاوَلَةِ، وَأَنْ تَكُونَ صَلَاتُكَ حَائِطَ الصَّدِّ الَّذِي يَمْنَعُكَ عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ. أَعْطِ الصَّلَاةَ وَقْتَهَا، وَلَا تَنْقُرْهَا نَقْرَاً، وَاجْعَلْهَا المِيزَانَ الَّذِي تَبْدَأُ بِهِ صَلَاحَ يَوْمِكَ، فَمَنْ أَقَامَ صَلَاتَهُ بِتَقْوَى، أَقَامَ اللَّهُ لَهُ حَيَاتَهُ.
تَقْوَى القُرْآنِ: مِنْ هَجْرِ الحُرُوفِ إِلَى تَدَبُّرِ الآيَاتِ
لَيْسَتْ تَقْوَى القُرْآنِ المَجِيدِ مُجَرَّدَ تَبَارٍ فِي سُرْعَةِ الخَتْمَاتِ، أَوْ زِينَةٍ نُزَخْرِفُ بِهَا الرُّفُوفَ وَالمَجَالِسَ، بَلْ هِيَ أَنْ نَجْعَلَهُ دَسْتُوراً يَنْبِضُ بِهِ الوَاقِعُ. أَنْ تَتَّقِيَ اللَّهَ فِي كِتَابِهِ يَعْنِي أَنْ تَمْنَحَهُ أَعَزَّ مَا تَمْلِكُ: حُضُورَ عَقْلِكَ وَإِصْغَاءَ قَلْبِكَ. لَا تَمُرَّ عَلَى آيَاتِهِ مُرُوراً عَابِراً؛ فَإِذَا قَرَأْتَ آيَةً فِيهَا أَمْرٌ فَامْتَثِلْ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِكَ، وَإِذَا وَقَفْتَ عَلَى نَهْيٍ فَانْزَجِرْ. تَقْوَى القُرْآنِ تَتَجَلَّى فِي تَدَبُّرِهِ الَّذِي يُحَرِّكُ النُّفُوسَ، وَفِي كَبْحِ جِمَاحِ نَفْسِكَ عَنْ هَجْرِهِ؛ فَهَجْرُ العَمَلِ بِهِ لَا يَقِلُّ خُطُورَةً عَنْ هَجْرِ تِلَاوَتِهِ. اِجْعَلْ لَكَ مَعَ كُلِّ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا سُؤَالاً صَادِقاً: "أَيْنَ أَنَا مِنْ هَذِهِ الآيَةِ؟" فَإِنَّ مَنْ عَمَّرَ قَلْبَهُ بِتَقْوَى القُرْآنِ عَمَلًا وَتَدَبُّرًا، جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ وَشَفِيعاً يَوْمَ القِيَامَةِ.

خَاتِمَةُ المَقَال: دُعَاءُ التَّقْوَى
وَفِي خِتَامِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، لَا نَمْلِكُ إِلَّا أَنْ نَقِفَ بَابْتِهَالٍ خَاشِعٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، سَائِلِينَ إِيَّاهُ العَوْنَ عَلَى التَّقْصِيرِ، وَالقَبُولَ لِمَا قَدَّمْنَاهُ قَدْرَ اسْتِطَاعَتِنَا:
"اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَآتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَخَافُكَ وَيَتَّقِيكَ فِي صَلَاتِهِ، وَفِي تِلَاوَةِ كِتَابِكَ، وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ يَنْطِقُ بِهَا لِسَانُهُ. اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا قُلُوباً رَقِيقَةً كَأَفْئِدَةِ الطَّيْرِ، تَخْشَاكَ كَمَا خَشِيَكَ الفَارُوقُ، وَتَسْعَى إِلَيْكَ بِخُطُوَاتٍ صَادِقَةٍ وَإِنْ تَعَثَّرَتْ. اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صَالِحَ العَمَلِ، وَاعْفُ عَنَّا فِيمَا عَجَزْنَا عَنْهُ، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا فِي الدُّنْيَا شَهَادَةً نَلْقَاكَ بِهَا وَأَنْتَ رَاضٍ عَنَّا.. آمِينَ".